مستجدات

أزمة الحصاد بالمغرب.. غلاء الآلات وندرتها يهددان المحاصيل ويثقلان كاهل الفلاحين

طاقم ALLNEWS8 يونيو 2026
أزمة الحصاد بالمغرب.. غلاء الآلات وندرتها يهددان المحاصيل ويثقلان كاهل الفلاحين

مع تواصل موسم الحصاد في مختلف المناطق الفلاحية بالمغرب، تتصاعد شكاوى الفلاحين من الخصاص الحاد في آلات الحصاد وارتفاع تكاليف استغلالها إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من ضياع جزء من المحاصيل الزراعية بسبب الحرائق وارتفاع درجات الحرارة، خاصة بالمناطق البورية التي تشهد وفرة إنتاجية هذا الموسم.

ويؤكد مهنيون وفلاحون أن تكلفة كراء آلة الحصاد أصبحت تتراوح خلال الموسم الحالي بين 1000 و3000 درهم للساعة الواحدة، ما يعني أن تشغيل الآلة لعشر ساعات فقط قد يكلف الفلاح ما يصل إلى 30 ألف درهم، وهو مبلغ يعتبره المتضررون مرتفعاً مقارنة بأسعار شراء الحبوب. فالدولة حددت سعر شراء القمح في حدود 280 درهماً للقنطار، بينما يتراوح سعره في السوق الحرة بين 320 و380 درهماً بالنسبة للقمح الصلب، الأمر الذي يقلص هامش الربح ويزيد من الضغوط المالية على المنتجين.

ويرى متتبعون للشأن الفلاحي أن جذور الأزمة تعود إلى طبيعة النظام الفلاحي المغربي الذي يعرف تعايش نموذجين مختلفين؛ الأول تقليدي يعتمد على استغلاليات صغيرة ومتوسطة تعاني من محدودية الإمكانيات، والثاني عصري يستفيد بشكل أكبر من برامج الدعم العمومي والمكننة الحديثة. هذه الازدواجية، بحسب المهنيين، ساهمت في اتساع الفجوة بين كبار المستثمرين وصغار الفلاحين.

ورغم الأهداف التي حملها مخطط “الجيل الأخضر” لتطوير المكننة الفلاحية والرفع من مستوى التجهيزات، فإن التطبيق الميداني لم يحقق النتائج المرجوة لدى فئة واسعة من الفلاحين. فالدعم العمومي الذي يتراوح بين 30 و50 في المائة من قيمة المعدات الفلاحية، إلى جانب التسهيلات الائتمانية التي يوفرها القرض الفلاحي، ظل في نظر العديد من المهنيين بعيد المنال بالنسبة لصغار المنتجين الذين يفتقرون إلى السيولة المالية اللازمة لتسديد الكلفة الأولية أو الاستفادة من التمويلات البنكية.

وعادت قضية ندرة آلات الحصاد إلى واجهة النقاش بقوة خلال الموسم الحالي، بعد تسجيل حرائق بعدد من المناطق الزراعية، ما زاد من مخاوف الفلاحين من فقدان محاصيلهم قبل جمعها. ويؤكد المهنيون أن صغر حجم الاستغلاليات الفلاحية يشكل عائقاً أساسياً أمام الاستثمار في المكننة، فضلاً عن محدودية الموارد المالية التي تحول دون اقتناء المعدات أو الاستفادة من برامج الدعم المتاحة.

وتتداخل عدة عوامل في تعميق هذه الأزمة، من بينها عزلة بعض المناطق القروية وضعف مردودية الأراضي البورية، الأمر الذي يجعل استرجاع كلفة الاستثمار في الآلات عملية طويلة ومعقدة. كما ساهم تراجع قيم التضامن التقليدي المعروف بـ”التويزة” في تفاقم الوضع، بعدما تحولت خدمات الحصاد والنقل من تبادل تعاوني بين الفلاحين إلى خدمات مؤدى عنها بأسعار مرتفعة.

وفي سياق متصل، يشكو القطاع من ندرة اليد العاملة الموسمية المخصصة للحصاد، حيث أدى توالي سنوات الجفاف خلال العقد الأخير إلى هجرة عدد من العمال الزراعيين نحو المدن أو قطاعات أخرى بحثاً عن مصادر دخل أكثر استقراراً. وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع أجور العمال بشكل لافت، ما زاد من الأعباء المالية التي يتحملها الفلاحون خلال الموسم الحالي.

كما يعزو مهنيون شح آلات الحصاد إلى اتساع المساحات المزروعة هذا العام نتيجة تحسن الظروف المناخية وارتفاع الإنتاج، في مقابل تمركز عدد كبير من المعدات المتوفرة بالمناطق الفلاحية الكبرى، ما يترك مناطق أخرى في مواجهة خصاص حقيقي وصعوبة في الحصول على خدمات الحصاد داخل الآجال المناسبة.

ويؤكد فلاحون أن تكلفة الحصاد بلغت مستويات قياسية لا تنسجم مع مردودية الأراضي، خصوصاً بالنسبة لصغار المنتجين. ويرجعون هذا الارتفاع إلى الزيادة المستمرة في أسعار المحروقات التي دفعت أصحاب الآلات إلى رفع أسعار خدماتهم، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أجور اليد العاملة الموسمية نتيجة قلة العرض وارتفاع الطلب.

ويحذر المتضررون من أن صعوبة الحجز وطول فترات الانتظار للحصول على آلات الحصاد قد يؤديان إلى تلف جزء من المحاصيل أو تعرضها للحرائق والعوامل المناخية، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لمداخيل الفلاحين وللأمن الغذائي الوطني.

وفي ما يتعلق بالحلول الممكنة، يدعو الفاعلون المهنيون إلى تشجيع الفلاحين على الانخراط في تعاونيات وجمعيات مهنية تتوفر على أساطيل من المعدات الفلاحية يتم استغلالها بشكل جماعي، مع ضمان استقلالية هذه الهياكل وقدرتها على تدبير مواردها بفعالية. كما يطالبون بمراجعة سعر الشراء الحكومي للحبوب بما يراعي ارتفاع تكاليف الإنتاج، مع تحمل الدولة جزءاً من الفارق السعري حماية للفلاح والحفاظ على استقرار الأسعار بالنسبة للمستهلك.

ويرى المتتبعون أن الظرفية الحالية تفرض تدخلاً عاجلاً من الجهات الوصية عبر دعم المحروقات الموجهة للقطاع الفلاحي، وتوفير المزيد من آلات الحصاد بالمناطق المتضررة، إلى جانب تعزيز برامج المكننة الموجهة لصغار الفلاحين. فاستمرار هذه الأزمة، حسب المهنيين، لا يهدد فقط الموسم الفلاحي الحالي، بل يضع مستقبل الفلاح الصغير وقدرته على المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي للمملكة أمام تحديات متزايدة.

 

الاخبار العاجلة