كشفت أحدث معطيات الهجرة الصادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية أن عدد التأشيرات الممنوحة للمواطنين المغاربة خلال سنة 2025 بلغ 300.117 تأشيرة، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 6.1 في المائة مقارنة بسنة 2024. وبهذه الأرقام، حلّ المغرب في المرتبة الثانية عالمياً ضمن قائمة أكبر المستفيدين من التأشيرات الفرنسية، مدفوعاً أساساً بتدفقات السياحة والدراسة ولمّ الشمل العائلي.
وواصلت فرنسا، خلال سنة 2025، منحنى الارتفاع في إصدار التأشيرات، وإن بوتيرة أكثر اعتدالاً بعد الانتعاش القوي الذي أعقب الأزمة الصحية. ووفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن المديرية العامة الفرنسية للأجانب، فقد تم إصدار ما يقارب ثلاثة ملايين تأشيرة خلال العام الماضي، بزيادة قدرها 3.5 في المائة مقارنة بعام 2024، ويُعزى هذا النمو أساساً إلى تأشيرات السياحة والدراسة، التي كان المواطنون المغاربة من أبرز المستفيدين منها.
وبحسب التصنيف العالمي، جاء المغاربة في المرتبة الثانية بعد الصينيين الذين حصلوا على 557.412 تأشيرة، وقبل الهنود بـ239.357 تأشيرة. كما أكدت الزيادة المسجلة في عدد التأشيرات الممنوحة للمغاربة المكانة المحورية للمغرب ضمن تدفقات الهجرة النظامية نحو فرنسا.
وتتميز التأشيرات الممنوحة للمغاربة بنسبة مرتفعة من تأشيرات الإقامة الطويلة، التي تمثل 10.8 في المائة من مجموع التأشيرات الصادرة لهذه الجنسية، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي المحدد في 9.8 في المائة.
وفي فئة تأشيرات الإقامة القصيرة، تظل السياحة الدافع الرئيسي، إذ أصدرت فرنسا خلال 2025 أكثر من مليوني تأشيرة سياحية لفائدة مختلف الجنسيات، بزيادة قدرها 6.4 في المائة. ويُعد المواطنون المغاربة من بين أكثر الجنسيات استفادة من هذا الصنف، ما يعكس كثافة الروابط السياحية والعائلية بين المغرب وفرنسا.
أما على مستوى تأشيرات الإقامة الطويلة، فيتجه المغاربة أساساً نحو الدراسة، التي تمثل 40.5 في المائة من هذه التأشيرات، تليها التأشيرات ذات الطابع الاقتصادي بنسبة 27.9 في المائة. ويبرز هذا المعطى أهمية التنقل الأكاديمي والمهني بين البلدين، خاصة في مجالات التعليم العالي والقطاعات ذات الكفاءات العالية.
وسجلت تأشيرات الدراسة والتدريب بدورها ارتفاعاً بنسبة 7.5 في المائة خلال سنة 2025، لتبلغ نحو 118 ألف تأشيرة لجميع الجنسيات. ولا يزال المغرب من بين أبرز البلدان المصدّرة للطلبة الدوليين إلى فرنسا، رغم تنامي المنافسة من دول أخرى، خصوصاً في القارة الآسيوية، وهو ما يعزوه المتابعون إلى عمق الروابط التاريخية واللغوية، إضافة إلى اتفاقيات التعاون الجامعي والعلمي بين الرباط وباريس.
وفي المقابل، تشير التوقعات إلى تراجع تأشيرات الإقامة الطويلة المصنفة ضمن “تأشيرات المواهب” بنسبة 7.9 في المائة خلال 2025. وبالنسبة للمواطنين المغاربة، يبدو هذا الانخفاض أكثر حدة، إذ بلغ 12.6 في المائة، رغم استمرار المغرب ضمن قائمة الدول العشر الأكثر تأثراً بهذا التراجع، الذي يُعزى أساساً إلى انخفاض عدد التأشيرات الممنوحة للعمالة الماهرة، في ظل تشديد تدريجي لبعض سياسات الهجرة الاقتصادية الفرنسية.
…ويُرتقب أن ينعكس هذا التشديد في سياسات الهجرة الاقتصادية على مسارات التنقل المهني مستقبلاً، خصوصاً في القطاعات التي كانت تعتمد بشكل متزايد على الكفاءات الأجنبية، ومن ضمنها الكفاءات المغربية. غير أن مراقبين يرون أن هذا التراجع الظرفي لا يعني بالضرورة فقدان المغرب لمكانته كشريك بشري واستراتيجي لفرنسا، بالنظر إلى استمرار الطلب على الطلبة واليد العاملة المؤهلة في مجالات محددة.
وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات الرسمية أن العلاقات الثنائية بين البلدين لا تزال تشكل عاملاً حاسماً في توجيه تدفقات الهجرة النظامية، سواء عبر برامج التبادل الجامعي أو اتفاقيات التعاون الاقتصادي والثقافي. كما أن الروابط العائلية المتجذرة بين الجانبين تساهم بدورها في الحفاظ على مستويات مرتفعة من طلبات التأشيرات، خاصة قصيرة الأمد.
ويرى مختصون في قضايا الهجرة أن الأرقام المسجلة خلال سنة 2025 تعكس توازناً نسبياً بين متطلبات الضبط والهجرة الانتقائية من جهة، وحاجة فرنسا المستمرة إلى الانفتاح على شركائها التقليديين من جهة أخرى. وفي مقدمة هؤلاء الشركاء، يبرز المغرب كفاعل أساسي في دينامية التنقل نحو الفضاء الفرنسي.
وبينما تتجه باريس إلى مراجعة أدواتها في مجال استقطاب الكفاءات، يظل الرهان قائماً على تطوير صيغ جديدة للتعاون، تضمن تنقلاً منظماً ومتوازناً يخدم مصالح البلدين، ويستجيب في الآن ذاته للتحولات الاقتصادية والديموغرافية التي تعرفها أوروبا وحوض المتوسط.








