كيف تحولت الأنشطة الموازية للدورة الثامنة إلى مشروع لتنمية المدينة وتعزيز السياحة الإيكولوجية؟
تشارك فيه عشرات الجمعيات والهيئات والمؤسسات، في صورة تعكس انخراط المجتمع المدني إلى جانب الفاعلين العموميين في إنجاح هذه التظاهرة التي أصبحت من أبرز المواعيد الصيفية بالأطلس المتوسط.
من أبرز محاور البرنامج البيئي مبادرة “شجرة لكل فنان“، التي يشرف عليها نادي اليونسكو المغرب أطلس الأخضر بساحة التاج والفضاء الأخضر على امتداد أيام المهرجان. وتكتسي هذه المبادرة رمزية خاصة، إذ تجعل من كل مشاركة فنية مناسبة لغرس شجرة جديدة، في رسالة تؤكد أن الفن يمكن أن يكون شريكًا في حماية البيئة وليس مجرد نشاط ترفيهي.
ولا تتوقف الأنشطة البيئية عند التشجير، بل تمتد إلى حملات واسعة للنظافة بكل من مركز التخييم برأس الماء وبحيرة زروقة، وهما من أبرز الفضاءات الطبيعية التي تستقطب آلاف الزوار خلال فصل الصيف. وتهدف هذه المبادرات إلى إشراك المواطنين والمتطوعين في المحافظة على نظافة المواقع السياحية، وتعزيز ثقافة احترام الفضاءات الطبيعية التي تشكل ثروة حقيقية للإقليم.
كما يتضمن البرنامج تنظيم قوافل صوتية تحسيسية تجوب الشوارع الرئيسية لمدينتي إفران وأزرو، لنشر رسائل توعوية حول حماية البيئة، وترشيد السلوك البيئي، والحفاظ على نظافة المدينة، في خطوة تسعى إلى الوصول مباشرة إلى الساكنة والزوار.

لا يقتصر البرنامج على الأنشطة الميدانية، بل يفسح المجال أيضًا للنقاش العلمي، من خلال ندوة يحتضنها مركز التكوينات بجامعة الأخوين يوم 27 يوليوز، بمشاركة أكاديميين وباحثين ومتخصصين في قضايا البيئة والتنمية المستدامة.
وتؤكد هذه الندوة أن الرهان البيئي لا يمكن أن ينجح دون مساهمة البحث العلمي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتدبير المناطق الجبلية، وهي قضايا تهم إقليم إفران بشكل مباشر.
خصص المنظمون حيزًا مهمًا للعروض المتجولة التي تمنح المدينة أجواء احتفالية مميزة. ففي يوم 27 يوليوز ينطلق الكرنفال الأخضر من ساحة القدس ليجوب عددا من شوارع المدينة قبل أن يصل إلى ساحة التاج، في عرض يجمع بين الرسائل البيئية والفرجة الفنية.
أما يوم 28 يوليوز، فتكون الساكنة والزوار على موعد مع كرنفال أحيدوس، الذي يستحضر أحد أبرز مكونات التراث الأمازيغي المغربي، حيث تتحول شوارع المدينة إلى فضاء مفتوح للفنون الشعبية والعروض الفلكلورية، في محاولة لربط الموروث الثقافي بالفضاء الحضري والسياحي.
في مدينة توصف بأنها من أنظف مدن المملكة وأكثرها استقطابًا للسياحة الطبيعية، يحضر البعد السياحي بقوة من خلال معرض السياحة الإيكولوجية الذي تنظمه الجمعية الإقليمية لمرشدي السياحة أمام المندوبية الإقليمية للسياحة طيلة أيام المهرجان.
ويهدف المعرض إلى التعريف بالمؤهلات الطبيعية التي يزخر بها الإقليم، من غابات الأرز والبحيرات والمنتزهات الطبيعية، إضافة إلى تشجيع السياحة البيئية التي أصبحت من أسرع الأنماط السياحية نموًا على المستوى الدولي.
كما تتضمن البرمجة ورشة Land Art / Mandala، التي تعتمد على توظيف عناصر الطبيعة في إنجاز أعمال فنية، في تجربة تمزج بين الإبداع والحفاظ على البيئة.
يشغل النشاط الرياضي مساحة واسعة داخل البرنامج الموازي، إذ تمت برمجة أنشطة متنوعة تشمل المشي الحضري، والمشي بالمسالك الطبيعية، وسباقات ألعاب القوى، ودوريات كرة القدم، والكرة الحديدية، والكرة الطائرة، وكرة السلة، والرماية، والصيد الرياضي، إضافة إلى عروض الأيروبيك والكيك بوكسينغ.
ويلاحظ أن البرمجة لم تغفل مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، حيث خُصصت أنشطة رياضية للنساء، وأخرى للأطفال والشباب، بما يعكس رغبة المنظمين في جعل الرياضة وسيلة للاندماج الاجتماعي ونشر ثقافة النشاط البدني.
من بين الأنشطة التي تستوقف المتابع أيضًا، تنظيم ورشة خاصة باليوغا والتوعية بالصحة النفسية، وهو توجه يعكس اتساع مفهوم التنمية داخل المهرجان، ليشمل جودة الحياة والصحة النفسية إلى جانب البيئة والثقافة والرياضة.
وتكتسب مثل هذه المبادرات أهمية متزايدة في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالصحة النفسية باعتبارها جزءًا أساسيًا من التنمية البشرية.
يبرز من خلال قراءة البرنامج أن الجمعيات المحلية ليست مجرد مشارك ثانوي، بل تشكل العمود الفقري للأنشطة الموازية، حيث تتوزع المسؤوليات بين جمعيات بيئية ورياضية وثقافية وسياحية، بما يعكس حيوية النسيج الجمعوي بإقليم إفران وقدرته على المساهمة في تنظيم تظاهرات كبرى.
ويؤكد هذا الحضور أن نجاح المهرجانات لم يعد يقاس فقط بعدد الفنانين أو السهرات، بل بمدى قدرتها على تعبئة الفاعلين المحليين وتحويل الحدث إلى فرصة للتكوين والتوعية والتنمية.
رغم غنى البرمجة وتنوعها، يبقى نجاح هذه الأنشطة رهينًا بحجم الإقبال، ومستوى التنظيم، وقدرة المنظمين على إشراك الساكنة والزوار في مختلف المبادرات. كما أن استدامة الأثر البيئي والثقافي لهذه الأنشطة ستظل المعيار الحقيقي للحكم على نجاحها، بعيدًا عن الزخم الإعلامي الذي يرافق المهرجانات.
فإذا استطاعت الدورة الثامنة أن تجعل من التشجير عادة، ومن حملات النظافة سلوكًا دائمًا، ومن الرياضة ممارسة يومية، ومن الثقافة البيئية جزءًا من وعي الأجيال الصاعدة، فإنها ستكون قد تجاوزت مفهوم المهرجان الموسمي، لتتحول إلى مشروع تنموي متكامل يخدم المدينة وسكانها، ويعزز مكانة إفران باعتبارها نموذجًا مغربيًا يجمع بين جمال الطبيعة، وثراء الثقافة، وروح المبادرة المدنية.









