يُعد مبدأ النزاهة والشفافية من الركائز الأساسية لدولة القانون والمؤسسات، ويشكّل الإثراء غير المشروع أحد أبرز المظاهر التي تمس بثقة المواطنين في الإدارة وتُضعف مقومات العدالة والمساواة. وفي هذا السياق، أولى المشرع المغربي أهمية بالغة لهذا المفهوم، من خلال إدراجه ضمن المنظومة التشريعية الرامية إلى مكافحة الفساد وتكريس الشفافية في تدبير الشأن العام.
يُقصد بالإثراء غير المشروع أن يَطرأ على ذمة الموظف العمومي أو من في حكمه زيادة غير مبررة من الناحية القانونية، لا تتناسب مع مصادر دخله المشروعة، ودون أن يتمكن من إثبات مصدر تلك الزيادة. ويُعتبر هذا السلوك إخلالًا بالمبدأ العام للشفافية والنزاهة، ويترتب عنه مسؤولية قانونية وجنائية.
ورغم أن القانون الجنائي المغربي لم ينص صراحةً على جريمة “الإثراء غير المشروع” كما وردت في بعض التشريعات المقارنة، إلا أن هذا المفهوم يجد له سندًا في عدد من المقتضيات القانونية، سواء بشكل مباشر أو ضمني:
- الفصل 241 من القانون الجنائي، المتعلق بتبديد أموال عامة، والذي يُعاقب الموظف العمومي الذي يختلس أو يبدد أو يستعمل لأغراض شخصية أموالًا عامة.
- قانون التصريح بالممتلكات (القانون رقم 54.06)، الذي يُلزم بعض الفئات، خاصة الموظفين العموميين، بتقديم تصريح بممتلكاتهم، بما يتيح كشف حالات الإثراء غير المشروع.
- مشروع القانون الجنائي الجديد (الذي لا يزال قيد المناقشة) يتجه نحو تجريم صريح للإثراء غير المشروع، بإدراج مادة خاصة به، بما يتماشى مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادق عليها المغرب.
كما يعتمد المغرب على عدة آليات مؤسساتية للوقاية من الإثراء غير المشروع، من أبرزها:
- الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي تُعنى بتتبع ثروات المسؤولين العموميين وتحليل تضخمها غير المبرر.
- المجلس الأعلى للحسابات، الذي يراقب تدبير المال العام، ويُساهم في رصد الاختلالات المالية والإدارية.
- النيابة العامة، التي أصبحت فاعلًا رئيسيًا في تحريك المتابعات في قضايا الفساد المالي، لا سيما بعد استقلال السلطة القضائية.
ورغم الخطوات التشريعية والمؤسساتية المهمة، لا تزال مكافحة الإثراء غير المشروع تواجه عدة تحديات، أبرزها:
- صعوبة الإثبات، إذ يتطلب الأمر إثبات الفارق بين الزيادة في الثروة والمصادر القانونية لها.
- غياب التجريم الصريح في النصوص الجنائية، مما يُضعف فعالية المتابعة القضائية.
- ضعف التنسيق بين الأجهزة الرقابية، وتأخر في تفعيل آلية تبادل المعلومات.
إلا أن الآفاق تبقى واعدة، خاصة في ظل الإرادة الملكية والسياسية الواضحة لتعزيز مبادئ الحكامة ومحاربة الفساد. ، وفي هذا الصدد ، شدد جلالة الملك نصره الله في خطاب العرش على أن: “الجدية كمنهج متكامل تقتضي ربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة ، وإشاعة قيم الحوكمة والعمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص ، من خلال خدمة المواطن واختيار الكفاءات المؤهلة ، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين ، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة” انتهى كلام جلالة الملك.
ويمكن تأصيل المراجع القانونية الوطنية والدولية للإثراء غير المشروع كما يلي:
1 ــ مشروع القانون الجنائي المغربي (الصيغة الجديدة)
في إطار إصلاح السياسة الجنائية، اقترح المشرع المغربي في مشروع تعديل القانون الجنائي (المادة 8-256) تجريم الإثراء غير المشروع بشكل صريح، حيث جاء فيها:
“يُعد مرتكبًا لجريمة الإثراء غير المشروع، كل موظف عمومي أو من في حكمه، ثبت أثناء فترة توليه للوظيفة أو بعدها، أنه راكم أموالًا أو ممتلكات أو مداخيل لا تتناسب مع دخله المشروع، دون أن يستطيع تبرير مصدرها.”
ويُعاقب حسب المشروع المقترح بـ:
- غرامة مالية تتناسب مع مبلغ الإثراء.
- الحبس من سنة إلى خمس سنوات.
- مصادرة الممتلكات المتحصلة من الإثراء غير المشروع.
يُشكل هذا النص نقلة نوعية نحو تبني مفهوم “العدالة الوقائية“، حيث لا يشترط وجود رشوة أو اختلاس أو تزوير، بل يكفي تضخم الثروة غير المبرر.
2 ــ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد
صادق المغرب على هذه الاتفاقية بموجب الظهير الشريف رقم 1.07.58 الصادر بتاريخ 19 ماي 2008، والتي تنص في المادة 20 منها على أن:
“تنظر كل دولة طرف، عند الاقتضاء، في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتجعل من الإثراء غير المشروع، عندما لا يستطيع الموظف العمومي تقديم تبرير معقول للزيادة الكبيرة في أمواله مقارنة مع دخله المشروع، جريمة يُعاقب عليها بمقتضى قانونها الجنائي.”
وتُعد هذه المادة مرجعًا قانونيًا دوليًا يدعو المشرع المغربي إلى استكمال الملاءمة التشريعية في هذا الإطار.
3 ــ القانون رقم 54.06 المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات
يُلزم هذا القانون فئات محددة من المسؤولين العموميين بتقديم تصريح بممتلكاتهم لدى المجلس الأعلى للحسابات أو المحاكم المالية. ورغم الطابع الوقائي لهذا القانون، إلا أنه لا يُرتب في صيغته الحالية عقوبات جنائية في حال ثبوت الإثراء غير المشروع، ما يحد من فعاليته في الردع.
ويمكن القول بأن الفقه والاجتهادات القضائية كانت مرتعا لتأصيل مفهوم الإثراء غير المشروع من خلال ما يلي:
لقد سبق الفقه الإسلامي المعاصر إلى معالجة فكرة الإثراء غير المشروع من منطلق ديني وأخلاقي، حيث يتقاطع هذا المفهوم مع مبادئ الأمانة، العدالة، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل.
والأساس التشريعي له يتجلى في عدة آيات وأحاديث نبوية، نذكر منها:
- قوله تعالى:
“ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون”
(البقرة: 188)
- وقوله ﷺ:
“من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتي به يوم القيامة”
(رواه مسلم)
تدل هذه النصوص بوضوح على تحريم كل زيادة مالية غير مشروعة يحصل عليها المسؤول أو الموظف بغير وجه حق، سواء كانت رشوة، استغلالًا للمنصب، أو حتى مجرد كتمان لمال مكتسب خارج الإطار الشرعي.
ويرى الفقهاء أن كل مال يحصل عليه الموظف أو المسؤول بغير سبب شرعي (كعقد عمل، بيع، أو هبة مشروعة) يعد غنيمة محرمة أو غلولًا يجب رده إلى بيت مال المسلمين. وفي هذا السياق، يشير الإمام الماوردي في “الأحكام السلطانية” إلى وجوب محاسبة ولاة الأمور وتدقيق مواردهم المالية.
ومن الملاحظ أن الفقه الإسلامي يجيز نقل عبء الإثبات إلى الموظف حال ظهور علامات الثراء الفاحش أو تضخم الثروة بشكل غير مبرر، استنادًا إلى قاعدة:
“البيّنة على من ادعى، واليمين على من أنكر“
لكن في حالة قرائن قوية، يُمكن إلزام المدعى عليه بالبيان، خصوصًا في قضايا المال العام، حفاظًا على حقوق الأمة.
وإنه من الملاحظ هو انسجام واضح بين الفقه الإسلامي والتوجهات الحديثة في القانون المغربي نحو تجريم الإثراء غير المشروع، سواء من حيث:
- التوصيف القانوني: اعتبار الزيادة في المال العام دون مبرر مشروع جريمة.
- الهدف الردعي: حماية المال العام وتعزيز الثقة في المسؤولين.
- العدالة الوقائية: منع الفساد قبل وقوعه، وليس فقط معاقبته بعد تحقق نتائجه.
ويُعد هذا التكامل فرصة حقيقية للمشرع المغربي من أجل إغناء المنظومة القانونية بقيم أصيلة ذات امتداد شرعي وأخلاقي.
ويمكن الجزم بأن تجريم الإثراء غير المشروع يشكل خطوة حاسمة نحو تعزيز الشفافية في الحياة العامة، وتحقيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولتحقيق نجاعة أكبر، يُنتظر من المشرع المغربي التسريع بإقرار مقتضيات صريحة وواضحة تجرم هذا الفعل، وتضع آليات عملية للتحقيق والمتابعة، بما يُعيد الثقة في مؤسسات الدولة ويكرس مبادئ العدالة والإنصاف.
- بعض الاجتهادات القضائية المغربية تعاملت مع قضايا مماثلة ضمن جرائم استغلال النفوذ أو الاختلاس في ظل غياب نص صريح، مما يبرز الحاجة الماسة لتدخل تشريعي واضح.
- الإسراع في المصادقة على مشروع القانون الجنائي بصيغته الجديدة التي تتضمن تجريم الإثراء غير المشروع.
- توسيع دائرة المُلزمين بالتصريح بالممتلكات لتشمل جميع الفاعلين العموميين والمؤسسات ذات الطابع الاستراتيجي.
- تعزيز التعاون بين الأجهزة الرقابية والقضائية لتبادل المعطيات حول ثروات المسؤولين.
- إدماج تقنيات التدقيق المالي والتحقيق الجنائي لمراقبة تضخم الثروات بشكل علمي وموضوعي.
- تنظيم حملات توعية قانونية ومهنية لتعزيز ثقافة النزاهة والشفافية لدى الفئات المعنية.









