في مشهد إداري لا يخلو من الدلالة، اختارت وزارتا الداخلية والاقتصاد والمالية أن تشتغلا بعيدًا عن الضجيج، عبر إصدار دوريتين مشتركتين تحملان في طياتهما تحوّلًا هادئًا لكن عميقًا في طريقة تدبير الجبايات المحلية. ليس الأمر مجرد إجراءات تقنية، بل إعادة رسم لخريطة الاختصاصات، وتحديث لآليات الخدمة العمومية بما ينسجم مع زمن الرقمنة.
أولى هذه الخطوات انطلقت بتحديد تاريخ 9 أبريل كبداية فعلية لنقل “البواقي استخلاصها” من الخزنة بمختلف مستوياتها إلى القابضين الجماعيين. قرار يبدو في ظاهره إداريًا صرفًا، لكنه في جوهره يعكس رغبة واضحة في تقريب عملية التحصيل من المجال الترابي، ومنح الجماعات دورًا أكثر مركزية في تدبير مواردها. فهذه “البواقي” ليست مجرد أرقام عالقة في دفاتر المحاسبة، بل ديون حقيقية تنتظر التفعيل، وقدرتها على التحصيل تعني تحسين مداخيل الجماعات وتعزيز استقلاليتها المالية.
غير أن هذا التحويل لا يقف عند حدود نقل الملفات، بل يشمل أيضًا ترحيلًا شاملًا للمعطيات والوثائق والمعلومات المرتبطة بها، بما فيها ما يتصل بالنزاعات والشكايات. بمعنى آخر، نحن أمام نقل متكامل للاختصاص، يحمّل القابضين الجماعيين مسؤولية كاملة، ويضعهم في قلب المعادلة الجبائية المحلية.
أما الدورية الثانية، فتفتح الباب على مصراعيه أمام ورش الرقمنة، من خلال إقرار تبادل إلكتروني كامل بخصوص تسليم شهادة أداء الضرائب والرسوم المرتبطة بالعقار موضوع التفويت أو التخلي. هنا، لم يعد المرتفق مطالبًا بالتنقل بين الإدارات، ولا بتتبع مسار ملفه بين المكاتب، بل أصبح المسار رقميًا، سريعًا، ومؤطرًا بآجال محددة لا تتجاوز 48 ساعة.
اللافت في هذا التحول هو اعتماد تكامل مؤسساتي واضح بين مختلف المتدخلين: المديرية العامة للضرائب، الخزينة العامة للمملكة، الجماعات الترابية، والمهنيين كالموثقين والعدول. عبر منصات رقمية مثل “توثيق+” والخدمات الإلكترونية للخزينة، يتم تمرير المعلومات بشكل آني، مما يقلص هامش الخطأ ويحد من التعقيدات البيروقراطية التي طالما أثقلت كاهل المواطنين.
هذه الخطوات تأتي في سياق تنزيل قوانين محدثة للجبايات المحلية، منحت القابضين الجماعيين صفة محاسبين عموميين، ووسعت من دائرة تدخلهم، مع استثناء بعض الضرائب الكبرى. وهو ما يعكس توجهًا تدريجيًا نحو إعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة الجبائية، بما يحقق التوازن بين المركز والجهات.
لكن، ورغم الطابع الإيجابي لهذه الإجراءات، يبقى الرهان الحقيقي في حسن التطبيق. فالرقمنة، مهما بلغت من تطور، تظل رهينة بمدى جاهزية الموارد البشرية، وبقدرة الإدارات على مواكبة هذا التحول دون ارتباك. كما أن نقل الاختصاصات قد يطرح تحديات على مستوى التنسيق، خاصة في المراحل الأولى.
خلاصة ، يمكن القول إن ما يجري اليوم ليس مجرد تعديل إداري عابر، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة بناء علاقة المواطن بالإدارة، قوامها السرعة، الشفافية، والفعالية. وإذا ما كُتب لهذا الورش النجاح، فإنه قد يشكل نموذجًا لتحولات مماثلة في مجالات أخرى، حيث تصبح الإدارة في خدمة المواطن، لا العكس.











