تعطل شحنات الطاقة واضطراب التجارة يهددان بمرحلة تضخم عالمي جديد
أنوار لاركو
تعيش الأسواق العالمية على وقع موجة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، حيث بدأت تداعيات الصراع تمتد من ساحات القتال إلى شرايين الاقتصاد العالمي، فمع تعطل الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم وارتفاع أسعار الطاقة، يجد صناع القرار أنفسهم أمام معادلة معقدة تجمع بين التضخم المرتفع وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وتشير تقديرات اقتصادية دولية إلى أن الصراع الدائر في المنطقة تسبب في اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، بعد تعطل حركة الشحن في مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط في العالم. وقد أدى هذا التعطل إلى قفزة حادة في أسعار النفط، التي انتقلت خلال أسابيع قليلة من أقل من 70 دولارا للبرميل إلى مستويات قاربت 120 دولارا قبل أن تستقر نسبياً حول 90 دولارا.
ويعد هذا الارتفاع مؤشرا واضحا على حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي اضطراب في إمدادات الطاقة، إذ يشكل النفط والغاز العمود الفقري للصناعة والنقل والإنتاج الزراعي في معظم دول العالم.
ويرى خبراء اقتصاديون أن إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز يمثل أسوأ السيناريوهات بالنسبة للأسواق العالمية، لأنه يهدد بقطع جزء مهم من الإمدادات اليومية التي تصل إلى نحو 20 مليون برميل من النفط.
انعكست هذه التطورات سريعا على المؤشرات الاقتصادية العالمية، حيث بدأت أسعار الوقود والغاز والكهرباء في الارتفاع في عدد من الدول، وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن كل زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار النفط يمكن أن ترفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية، وتخفض النمو الاقتصادي العالمي بنحو 0.2 في المئة.
ويحذر محللون من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يقود الاقتصاد العالمي إلى سيناريو “الركود التضخمي”، أي الجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النمو الاقتصادي، وهو وضع عرفته الاقتصادات العالمية خلال صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي.
كما بدأت أسواق المال بدورها تعكس هذه المخاوف، إذ شهدت البورصات العالمية تذبذبات قوية، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.
لا تقتصر التداعيات الاقتصادية للحرب على قطاع الطاقة فقط، بل تمتد إلى قطاعات حيوية أخرى، خصوصا الزراعة والأمن الغذائي. فالممرات البحرية في الخليج العربي لا تنقل النفط فحسب، بل تمر عبرها أيضا نسبة مهمة من تجارة الأسمدة والمواد الأولية الزراعية.
وقد أدى تعطل الشحنات بالفعل إلى ارتفاع أسعار الأسمدة في الأسواق العالمية، وهو ما يهدد بزيادة تكاليف الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء في العديد من الدول، خصوصا في الاقتصادات النامية التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
ويخشى خبراء من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى نقص في الإمدادات الغذائية في بعض المناطق الفقيرة، مما قد يزيد من هشاشة الأمن الغذائي العالمي.

وكما هي الحال في معظم الأزمات الجيوسياسية، فإن الحرب الحالية تعيد رسم خريطة الرابحين والخاسرين في الاقتصاد العالمي. فالدول المستوردة للطاقة، خاصة في آسيا وأوروبا، ستكون الأكثر تضررا من ارتفاع الأسعار، نظرا لاعتمادها الكبير على واردات النفط والغاز.
في المقابل، قد تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة خارج منطقة الصراع من ارتفاع الأسعار العالمية، حيث يمكن أن تحقق عائدات إضافية من صادراتها النفطية والغازية.
أما الولايات المتحدة، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى مصدر رئيسي للطاقة، فقد تحقق مكاسب محدودة من ارتفاع الأسعار، لكن المستهلكين سيشعرون بضغط كبير بسبب زيادة تكاليف الوقود والسلع الأساسية.
وتضع الأزمة كذلك البنوك المركزية أمام خيارات صعبة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تغذية التضخم، بينما يهدد في الوقت نفسه بإبطاء النشاط الاقتصادي، وهذا يضع صناع السياسة النقدية أمام معضلة: هل يتم رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، أم خفضها لدعم الاقتصاد؟
ويرى اقتصاديون أن تجربة السبعينيات ما تزال حاضرة في أذهان صناع القرار، عندما أدى التباطؤ في مواجهة صدمة النفط إلى موجة تضخم طويلة الأمد.
في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الاقتصاد العالمي رهينا بمدة استمرار الحرب واتساع نطاقها. فإذا تمكنت الأسواق من استعادة تدفق الطاقة وعودة الملاحة البحرية إلى طبيعتها، فقد يتمكن الاقتصاد العالمي من امتصاص الصدمة تدريجيا.
أما إذا طال أمد الأزمة واستمر تعطل الإمدادات، فقد يجد العالم نفسه أمام مرحلة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية، تعيد إلى الواجهة مخاوف الركود والتضخم وتعمق الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة.









