هاشــم الخياطــي
في مشهد يختزل معضلة الحكامة في الإدارة العمومية، يستمر العمل بالقانون رقم 54.06 المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات، كواحد من أهم الأسس التي يُفترض أن تُكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. إلا أن التطبيق الفعلي لهذا القانون لا يزال يشكو من ضعف واضح، ليُطرح السؤال الكبير: ما جدوى قانون لا يُفعَّل إلا استثناءً؟
القانون، الذي رأى النور منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ينص بوضوح على إلزامية الإدلاء بتصريح مفصل بالممتلكات لكل مسؤول يتقلد منصباً عمومياً، سواء عند التعيين أو عند المغادرة، على أن يُوجه هذا التصريح إلى المجلس الأعلى للحسابات أو المجالس الجهوية حسب الاختصاص. الهدف من ذلك واضح: ضمان الشفافية، ومكافحة الإثراء غير المشروع، وتحقيق ربط فعلي بين المسؤولية والمحاسبة.
لكن واقع الحال يكشف عن فجوة كبيرة بين النص والتطبيق. فباستثناء بعض التقارير الدورية للمجلس الأعلى للحسابات، التي تكتفي غالباً بالإشارة إلى “تقصير” في التصريح أو “عدم الالتزام بالتجديد الدوري”، تغيب المتابعات القضائية، وتكاد تنعدم العقوبات الزجرية التي قد تردع من يسعى للتحايل أو الإثراء غير المشروع.
لقد تحولت هذه الآلية، التي كان يُفترض أن تكون دعامة أساسية لمحاربة الفساد، إلى إجراء شكلي في كثير من الحالات، تُستوفى فيه الشكليات دون أن يصاحبه أي تحقق فعلي أو تقاطع جدي للمعطيات. وهو ما يقوض ثقة المواطنين في مؤسسات الرقابة ويضعف منسوب الشفافية في الحياة العامة.
تتحدث الدولة في مناسبات عدة عن ضرورة تخليق الحياة العامة، وترسيخ قيم النزاهة والشفافية، غير أن الإبقاء على قوانين دون تفعيل صارم يُفرغ هذه الشعارات من مضمونها. فالمساءلة لا تكون إلا حين تُفعل الأدوات القانونية المتاحة، ويُحاسب كل من يخلّ بواجب التصريح أو يثبت تورطه في إثراء غير مشروع.
إن استمرار هذا الوضع، في ظل غياب الصرامة والوضوح في تطبيق القانون، لا يضر فقط بسمعة المؤسسات، بل يفتح الباب أمام تعميم الشك والريبة في سلوكيات المسؤولين، ويُكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، وهي أخطر ما يمكن أن يهدد البناء الديمقراطي السليم.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في سن قوانين جديدة، بل في تفعيل القائم منها بجرأة واستقلالية، وربط التصريح بالمحاسبة لا بالشكليات، حتى ننتقل من دولة النصوص إلى دولة الأثر، ومن الشفافية النظرية إلى الشفافية الفعلية.










