الأستاذ زهير أصدور
بينما يُنظر إلى الثلج لدى فئات واسعة كلوحة طبيعية فاتنة، ووجهة للفرجة والتقاط الصور، تعيش ساكنة المناطق الجبلية على إيقاعه كواقع قاسٍ، يضاعف هشاشة قائمة، ويكشف مرة أخرى عمق الاختلالات المجالية والاجتماعية التي لم تفلح السياسات العمومية المتعاقبة في معالجتها جذريًا.
فالثلوج، في أعالي الجبال، ليست حدثًا عابرًا ولا متعة موسمية، بل هي عزلة شبه تامة، طرق مقطوعة، صعوبة في التنقل، انقطاع عن الأسواق والمرافق، ومعاناة يومية في توفير أبسط شروط العيش: الدفء، الغذاء، الكلأ للماشية، والعلاج، في مناطق غالبًا ما تفتقر إلى مستشفيات قريبة أو تجهيزات صحية ملائمة.
تتفاقم هذه المعاناة بفعل هشاشة بنيوية مرتبطة بقلة المداخيل، واعتماد الساكنة الجبلية على أنشطة فلاحية ومعيشية محدودة، شديدة الارتباط بالمناخ، وضعيفة الحماية أمام الكوارث الطبيعية. فالثلج، كما الفيضانات والجفاف، لا يضرب فراغًا، بل يصيب مجتمعات تعيش أصلًا على هامش التنمية، دون شبكات أمان اجتماعي كافية، ودون بدائل اقتصادية مستدامة.

في هذا السياق، يطرح بإلحاح سؤال الإطار التشريعي والمؤسساتي المؤطر لتنمية المناطق الجبلية. فرغم أن الجبل يشكل جزءًا أساسيا من الجغرافيا الوطنية، وفضاءً يضم ملايين المواطنين، فإن قانون الجبل ما يزال حبيس الرفوف، رغم المطالب المتكررة، ورغم المبادرات التشريعية التي تقدمت بها الحركة الشعبية منذ سنوات، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الجبل يحتاج سياسة عمومية خاصة، عرضانية ومندمجة، لا مقاربة ظرفية أو موسمية.
غياب هذا القانون لا يعني فقط غياب نص تشريعي، بل يعني استمرار التعامل مع الجبل بمنطق التدبير الاستعجالي بدل التخطيط الاستراتيجي، وبمنطق الإحسان بدل الحقوق، وبسياسات جزئية لا ترقى إلى مستوى التحديات البنيوية.
إن الحديث عن العدالة المجالية لا يستقيم إذا ظل محصورًا في المدن الكبرى، وفي مشاريع البنية التحتية الضخمة التي، مهما كانت أهميتها، لا ينبغي أن تحجب عنا واقع مناطق بأكملها تعيش التهميش والعزلة. فالطرق السيارة، والمركبات الحضرية، والمشاريع المهيكلة في المراكز الحضرية، لا تعوض غياب الطرق القروية المعبدة، ولا تنقذ مريضًا محاصرًا بالثلوج، ولا تضمن دفئًا لأسرة في قرية جبلية معزولة.
كما أن المناطق الجبلية ليست وحدها المعنية، فالمناطق المعرضة للفيضانات بدورها تعيش الهشاشة ذاتها، وتكشف كل سنة عن كلفة غياب الوقاية، وضعف الاستباق، وغياب رؤية مندمجة للتنمية الترابية.
الثلج ظاهرة طبيعية، لكن المعاناة ليست قدرًا. إنها نتيجة اختيارات، وأولويات، وتأخر في تفعيل نصوص دستورية تتحدث عن الإنصاف المجالي والتماسك الاجتماعي. وما تعيشه ساكنة الجبال اليوم ليس فقط معاناة موسمية، بل تذكير صارخ بأن التنمية، إن لم تكن شاملة ومنصفة، تتحول إلى أرقام في التقارير، لا إلى واقع يلمسه المواطن حيثما كان.
وحدها إرادة سياسية حقيقية، تُترجم عبر تشريع خاص بالجبل، وسياسات عمومية منصفة، واستثمار في الإنسان والبنية التحتية المحلية، قادرة على تحويل الثلج من عامل عزلة ومعاناة إلى مورد طبيعي يُدمج في تنمية مستدامة تحفظ الكرامة وتحقق العدالة المجالية.








