الفقر ليس قدراً بل نتيجة اختيارات الدولة
الأجور والمعاشات والتشغيل في صلب المطالب
بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر، الذي يصادف 17 أكتوبر من كل سنة، جددت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان انتقاداتها للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة بالمغرب، معتبرة أن استمرار الفقر والهشاشة والإقصاء لا يمكن فصله عن طبيعة الاختيارات العمومية ومدى قدرتها على الاستجابة للحاجيات الأساسية للمواطنين.
واختارت الجمعية شعار «الفقر ليس قدراً، بل نتيجة لسياسات واختيارات الدولة» لتجديد النقاش حول واقع العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، في ظل استمرار البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف عدد من الخدمات الاجتماعية، وهي عوامل تقول الهيئة الحقوقية إنها تزيد من معاناة الفئات الهشة وتحد من فرصها في العيش الكريم.
واستحضرت الجمعية معطيات المندوبية السامية للتخطيط المرتبطة بالإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، والتي تفيد بتراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد من 11.9 في المائة سنة 2014 إلى 6.8 في المائة سنة 2024، وانخفاض عدد الأشخاص الذين يعيشون في هذه الوضعية من حوالي أربعة ملايين إلى نحو 2.5 مليون شخص.
ورغم هذا التراجع، شددت الهيئة الحقوقية على أن المؤشرات الإجمالية لا تعني انتهاء معضلة الفقر، خصوصاً مع استمرار تمركزه في الوسط القروي، حيث تتداخل محدودية فرص الشغل وضعف البنيات الأساسية وصعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية في تعميق الفوارق بين المجالات الترابية.
ووجهت الجمعية انتقاداتها إلى توجيه الإنفاق العمومي نحو مشاريع لا تستجيب، بحسب تقديرها، للحاجيات الاجتماعية الأكثر استعجالاً، داعية إلى إعادة ترتيب الأولويات بما يجعل الصحة والتعليم والسكن والتشغيل والخدمات العمومية في صدارة السياسات التنموية.
وترى الجمعية أن مواجهة الفقر لا ينبغي أن تقتصر على التدخلات الظرفية أو البرامج الاجتماعية المحدودة، بل تستدعي مقاربة شاملة تعالج أسباب الهشاشة، وتضمن توزيعاً أكثر إنصافاً للثروة والفرص، وتحد من التفاوتات الاجتماعية والمجالية التي تجعل فرص العيش الكريم متفاوتة من منطقة إلى أخرى.
وفي مواجهة تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، دعت الهيئة الحقوقية إلى تحسين الأجور والمعاشات، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، مع رفع مستوى الاستثمار في القطاعات الحيوية المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين.
كما شددت على ضرورة ضمان العدالة المجالية، حتى لا تظل الاستفادة من الخدمات الأساسية رهينة بمكان الإقامة أو الوضعية الاجتماعية، معتبرة أن التنمية لا تقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات، وإنما أيضاً بمدى انعكاسها على ظروف عيش المواطنين وتقليص الفوارق بينهم.
ولم تغفل الجمعية الأبعاد المرتبطة بالنوع الاجتماعي، إذ دعت إلى مواجهة الفقر الذي يطال النساء بصورة أكبر، من خلال ضمان المساواة في الأجور، وتحسين ظروف العمل، وتوفير السكن اللائق، وتعزيز الحماية من مختلف أشكال الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
ويعكس هذا المطلب، وفق المقاربة التي تدافع عنها الجمعية، ضرورة تجاوز المعالجة العامة للفقر إلى سياسات تستحضر أوضاع الفئات الأكثر عرضة للإقصاء، وتضمن استفادتها الفعلية من فرص العمل والخدمات والحماية الاجتماعية.
ووسعت الجمعية دائرة مطالبها لتشمل احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والإفراج عن معتقلي الرأي والتعبير والحراكات الاحتجاجية، ووقف المتابعات والمحاكمات في حق شباب حركة «جيل زيد»، في إطار ما تعتبره دفاعاً عن الحقوق والحريات باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من بناء مجتمع عادل وديمقراطي.
وجددت الهيئة الحقوقية تأكيدها مواصلة النضال من أجل مغرب خال من الفقر والحاجة، تسوده العدالة الاجتماعية وتحترم فيه حقوق الإنسان.
وبين الأرقام التي تكشف تراجع الفقر متعدد الأبعاد والمطالب التي تثيرها الجمعية، يظل التحدي الأساسي مرتبطاً بمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل مؤشرات التنمية إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، خصوصاً الفئات الهشة وسكان المناطق القروية. فالقضاء على الفقر لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى فرص شغل مستدامة، وخدمات عمومية ذات جودة، وتوزيع أكثر إنصافاً لثمار التنمية.








