مستجدات

الحسن الثاني، الخميني، الشاه وموسى الصدر شواهد من التاريخ

[TOUTES LES ACTUALITÉS]13 مارس 2026
الحسن الثاني، الخميني، الشاه وموسى الصدر شواهد من التاريخ

بقلم: عادل بن حمزة

تعد العالقات المغربية الإيرانية نموذجا لعالقات اتسمت على الدوام بطابع التوتر. لم تسعف الجغرافية البلدين على بناء عالقات عادية، بل على العكس من ذلك ساهمت في جعلها – في الغالب – صدى للحسابات الجيواستراتيجية في منطقة الخليج، حيث كان المغرب باستمرار في صف دول الخليج، في مواجهة الرغبة الإيرانية في الهيمنة الإقليمية، وهنا لا يجب التمييز بين نظام الشاه ونظام ولية الفقيه، إذ أظهرت طهران باستمرار رغبتها في الهيمنة على المنطقة، وكذلك، مواجهة التشيع المرتبط بولية الفقيه وما يستتبع ذلك بالنتيجة من ولاء يتناقض والمصالح الوطنية، وصول إلى القطيعة الكاملة بين الرباط وطهران، على خلفية تورط إيران في تدريب وتسليح جبهة البوليساريو الانفصالية من خلال ملحقها الثقافي في الجزائر وحزب الله في لبنان.

يقول الراحل عبد الهادي بوطالب مستشار الملك الراحل الحسن الثاني في مذكراته الموسومة ب “نصف قرن من السياسة” التي هي في الأصل، سلسلة حوارات أجراها معه الصحفي المغربي حاتم البطيوي ونشرت على حلقات على صفحات جريدة “الشرق الأوسط” نهاية عام ،2000 أنه في بداية السبعينات من القرن الماضي التقى الراحل بوطالب في طهران بالشاه رضى بهلوي بتكليف من الملك الحسن الثاني، وكانت المهمة دعوة الشاه إلى الحوار والتفاهم مع الإمارات العربية المتحدة لحل مشكلة الجزر الثالث: طنب الصغرى، وطنب الكبرى، وأبو موسى، وكان موضوع الجزر سيطرح على جدول أعمال الجامعة العربية بالقاهرة.

جواب الشاه كما جاء على لسان الراحل بوطالب كان صادما، إذ قال إن الجزر شأن إيراني وأنه يتمنى على الجامعة العربية أن ترفع يدها عن الملف وتكف عن التدخل في شؤون إيران، مضيفا أن دول الخليج لا تساوي عنده شيئا، وأنه قادر على محو أكبرها وأعظمها قوة أي العراق في تلك الفترة من الخارطة في ظرف ربع ساعة.

بعد قرابة عقد من الزمن، وفي أوج الثورة الإيرانية، سيعود بوطالب إلى المنطقة مرة أخرى في مهمة وساطة جديدة بتكليف من الملك الحسن الثاني، هذه المرة كانت الوجهة بغداد للوساطة بين الخميني والشاه بطلب من هذا الأخير، وكان الخميني ساعتها مقيما في النجف، فعقد بوطالب لقاء مع الرئيس البكر بحضور نائبه صدام حسين طالبا تسهيل مأموريته للقاء الخميني لأن من مصلحة العراق استقرار إيران. جواب القيادة العراقية كان أنه ل فائدة من ذلك ألن الخميني سيغادر العراق، وقد اتضح في ما بعد أن مغادرة الخميني للنجف كانت بضغوط من الشاه، وكانت خطأ كبيرا، لأن وجود الخميني في باريس أعطاه زخما وتأثيرا كبيرين بحكم أن الوضع الجديد، مكنه من التواصل مع الصحافة العالمية والكثير من مواقع صناعة القرار في الدول الغربية، وقد كان لذلك تأثير كبير في اللحظات الأخيرة لنظام الشاه، خاصة المفاضلة بين رجال الحوزات الدينية ممثلين في الخميني وبين الشيوعيين ممثلين في حزب تودة. شهادة الراحل عبد الهادي بوطالب توضح أن المغرب كان منخرطا في أزمات المنطقة، وكان بانيا للجسور وخصما للقطيعة. لكن النظام الإيراني الوليد بعد سقوط نظام الشاه اختار أن يرى في المغرب خصما، ليس فقط من منظور سياسي، بل وأساسا من منظور عقدي ومذهبي، ذلك أن الأسرة الملكية في المغرب تمثل حالة خاصة في البيئة السنية، فملك المغرب من آل البيت ومن أحفاد فاطمة الزهراء (ض) وبدل أن يكون ذلك، حافزا للتقارب، رأى فيه نظام آيات هللا خصما ومنافسا، وبصفة خاصة لجهة الاعتبارات السياسية المرتبطة بتصدير الثورة ونشر التشيع في إفريقيا، فالمغرب من خلال  إمارة المؤمنين والإسلام الصوفي السمح والحضور الثقافي والتاريخي في القارة، كان ول يزال، يشكل عائقا أمام طموحات طهران.

لذلك كان الملك الراحل الحسن الثاني واحدا من أشد خصوم الخميني الدينيين والإيديولوجيين، بل بلغ الأمر في المغرب حد إصدار فتوى من علماء المغرب قضت بتكفير الخميني الذي كان يتوجس من إمارة المؤمنين، ومن كل من يمكن أن يشكل منافسا له حتى من داخل المذهب الشيعي.

هنا تبرز حالة الراحل الزعيم الشيعي موسى الصدر ، الذي أدى الثمن غاليا بعد حضوره إحدى الدروس الحسنية )الحسنية نسبة إلى الملك الحسن الثاني وهي دروس تقدم في حضرة الملك بالقصر الملكي خلال أيام من شهر رمضان(، إذ كانت للرجل خصومة غير معلنة مع الخميني ستفضي في النهاية إلى اغتياله من قبل العقيد معمر القذافي الذي كان إلى جانب الجزائر، من أوائل الدول التي اعترفت بنظام آيات هللا في إيران. الخميني كان يرى في موسى الصدر منافسا على الزعامة الدينية للشيعة مع استحضار أهمية شيعة لبنان التاريخية، وهو ما كان يمس في العمق أطروحة “ولية الفقيه” التي تتجاوز الحدود السياسية وكانت محط رفض من قبل الصدر، كما أن هذا الأخير كان منفتحا على كل الطوائف في لبنان التي كان يراد توظيفه كمختبر تجارب لعقيدة “ولية الفقيه” وهو ما كان غير ممكنا لو بقي موسى الصدر على قيد الحياة بوصفه مرجعية أساسية للشيعة في لبنان، وكان وراء تأسيس حركة المحرومين التي شكلت النواة الأولى لحركة الأمل . الحركة التي ستسعى إيران الخميني إلى القضاء عليها سياسيا وعسكريا في خضم الحرب الأهلية اللبنانية من خلال تأسيس حزب هللا كوكيل أعمال لطهران في لبنان والمنطقة.

هذه المواقف والأحداث توضح أن إيران كانت تبحث دائما عن دور إقليمي يليق برصيدها التاريخي، ظهر ذلك في عهد الشاه من خلال استدعاء الدولة الساسانية والأمجاد الإمبراطورية، وفي عهد ثورة الخميني ظهر ذلك من خلال عقيدة “ولية الفقيه” المعصوم والفوق بشري، وهي كلها عناوين لمعنى واحد وهو إرادة الهيمنة.

الاخبار العاجلة