مستجدات

الحي الجامعي بتولال مكناس… مشروع أُطلق لحل أزمة السكن فتحوّل إلى أطلال مهجورة

طاقم ALLNEWS28 يناير 2026
الحي الجامعي بتولال مكناس… مشروع أُطلق لحل أزمة السكن فتحوّل إلى أطلال مهجورة

عرفت منطقة تولال بمدينة مكناس، يوم 26 فبراير 2006، تدشين مشروع حي جامعي جديد قرب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وُضع حينها كحل استراتيجي لأزمة السكن الجامعي الخانقة، وكان من المنتظر أن يؤوي حوالي 3500 طالب وطالبة في أجل أقصاه ثلاث سنوات.

وجاء إطلاق هذا المشروع في سياق اتسم بالاكتظاظ الشديد داخل الحي الجامعي بقرطبة، الذي فاقت طاقته الاستيعابية 2720 سريراً، ما دفع الإدارة آنذاك إلى اللجوء لحلول ترقيعية، من خلال إضافة بنايات وملحقات جديدة بطاقة إضافية لم تتجاوز 480 سريراً. غير أن هذه التوسعات لم تنجح في امتصاص الطلب المتزايد، وبقيت معاناة الطلبة مع السكن الجامعي قائمة.

وفي ظل هذا الوضع، شكّل مشروع الحي  الجامعي بتولال ، أملاً حقيقياً لآلاف الطلبة، خاصة المنحدرين من مناطق بعيدة، غير أن هذا الأمل سرعان ما تلاشى، بعدما توقف المشروع وتحول، حسب توصيف الطلبة، إلى “مدينة إسمنتية مهجورة”، تتكون من بنايات من أربعة طوابق مجهزة بعدد من المرافق، لكنها ظلت مغلقة دون روح أو وظيفة، شاهدة على تعثر مشروع وُئد قبل أن يرى النور.

وأصبح هذا الفضاء، في غياب الحراسة والصيانة، مرتعاً للمتسكعين ومصدراً لمخاوف أمنية، في وقت لا تلوح في الأفق أي مؤشرات رسمية على استئناف الأشغال أو إعادة بعث المشروع.

وفي هذا الصدد، تؤكد طالبة بكلية الحقوق بتولال أن الحاجة إلى هذا الحي الجامعي باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً بالنسبة للطالبات، اللواتي يضطررن يومياً إلى قطع مسافة تناهز ستة كيلومترات بين الكلية والحي الجامعي بسيدي بوزكري، في ظروف صعبة، ومع ضعف وسائل النقل العمومي، وما يرافق ذلك من مخاوف الاعتداء، خاصة خلال الفترات المسائية، الأمر الذي يؤثر سلباً على انتظامهن في الدراسة.

وحول خلفيات تعثر المشروع، أفادت مصادر مطلعة أن الحي الجامعي بتولال كان ثمرة شراكة تعاقدية بين شركة ماليزية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بصفتها مالكة للعقارين الحبوسيين المخصصين للمشروع، وذلك بتمويل من البنك الإسلامي للتنمية. غير أن الشركة المنفذة انسحبت من الورش منذ أكثر من عشر سنوات، بسبب صعوبات مالية وخسائر حالت دون استكمال الأشغال، ليدخل المشروع منذ ذلك الحين مرحلة الإهمال والنسيان.

ورغم أن الملف طُرح في وقت سابق داخل قبة البرلمان، عبر سؤال كتابي تقدمت به البرلمانية ذ. عبلة بوزكري عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، إلا أن ذلك لم يفضِ إلى حلول عملية على أرض الواقع. وتشير المصادر ذاتها إلى أن شركة مغربية عُرض عليها لاحقاً استكمال الأشغال، غير أنها اشترطت مراجعة كلفة الإنجاز وتخفيض سعر المتر المربع، بالنظر إلى الطابع الاجتماعي للمشروع.

واليوم، لا يزال طلبة مكناس ينتظرون ـ كما عبّر أحدهم بسخرية مريرة ـ “الإفراج عن المشروع ولو بكفالة”، مطالبين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب باقي الجهات الوصية والسلطات المحلية، بالتدخل العاجل لإحياء هذا الورش المتوقف، لما له من دور محوري في التخفيف من الضغط المتزايد على الحي الجامعي القديم، في ظل الارتفاع المستمر في أعداد الطلبة وتوسع العرض الجامعي بالمدينة.

ويبقى مشروع الحي الجامعي مثالاً صارخاً على مشاريع تنموية أُطلقت بنوايا طموحة، لكنها سقطت في فخ التعثر وسوء التدبير، في انتظار قرار يعيد لها الحياة ويُنهي سنوات من الانتظار والمعاناة.

كما يثير واقع الحي الجامعي أسئلة كبيرة حول فعالية الشراكات العمومية-الخاصة في المغرب، ونجاعة مراقبة المشاريع الاجتماعية الحساسة التي تمس ملايين المواطنين، خصوصاً الشباب الذين يشكلون شريحة أساسية في المجتمع ويعانون من ضغوط السكن والتعليم.

ويشير بعض المختصين في الشأن الجامعي إلى أن تأخر إنجاز هذا المشروع ليس مجرد إخفاق إداري أو مالي، بل يمثل خسارة مزدوجة: على مستوى الطلبة الذين لم يجدوا حلاً لأزمة السكن، وعلى مستوى الدولة التي ضاعت عليها فرصة استثمارية واجتماعية مهمة كان يمكن أن تساهم في تخفيف الاكتظاظ داخل الأحياء الجامعية، وتحسين الظروف الدراسية والمعيشية للطلاب والطالبات.

من جهة أخرى، يطالب المجتمع المدني والهيئات الطلابية الجهات المعنية بوضع خطة واضحة لإعادة إحياء المشروع، سواء من خلال البحث عن مستثمرين جدد أو عبر تمويل مباشر من الدولة، مع توفير آليات مراقبة صارمة لضمان استمرارية الأشغال وإنهائها في الآجال المحددة.

وفي ظل استمرار هذا الوضع، يبقى الطلاب أمام معضلة حقيقية، حيث يضطر كثيرون منهم إلى الاعتماد على السكن الخاص أو التنقل اليومي لمسافات طويلة، وهو ما ينعكس سلباً على الأداء الأكاديمي ويزيد من العبء النفسي والمالي عليهم.

ختاماً، يرمز الحي الجامعي اليوم إلى مشروع كبير “مُهمل قبل أن يولد”، ويطرح تساؤلات جدية حول جدوى المتابعة والإشراف على المشاريع الاجتماعية الحيوية، مؤكدين أن كل يوم تأخير يفاقم الأزمة ويزيد من المعاناة اليومية لآلاف الطلبة بمكناس.

الاخبار العاجلة