هاشــم الخياطــي
قال المتصوّف المغربي سيدي عبد الرحمان المجذوب دفين مدينة مكناس ” السن يضحك للسن والقلب فيه خديعة “
هي حكمة قصيرة، لكنها تختزل تجارب بشرية عميقة، وتكشف بوضوح المفارقة الأزلية بين ما يظهر على الوجوه وما تخفيه القلوب.
في حياتنا اليومية، تتقاطع الطرق بين الناس في الأسواق والمقاهي ومواقع العمل، وتتشابك الابتسامات والمجاملات اللفظية التي تبدو في ظاهرها ودًّا وصفاءً. غير أن الواقع كثيرًا ما يبرهن على أن الابتسامة لا تعبّر دائمًا عن النية الحقيقية، وأن خلف الودّ الظاهر قد تختبئ حسابات دقيقة أو مواقف متردّدة.
المجدوب، الذي اشتهر بحكمته الشعبية وقراءته العميقة للنفوس، يذكّرنا بأن العلاقات الإنسانية لا تُقاس فقط بالعبارات الجميلة، بل بما يصدر من أفعال صادقة تكشف النوايا دون تزييف. فكم من وجه بشوش يخفي حقدًا أو غيرة، وكم من كلمة لطيفة تُقال فقط لمصلحة عابرة أو لتمرير موقف مدفوع بالحاجة أو الخوف.
ورغم قساوة المعنى، إلا أن هذا القول ليس دعوة للشك في الجميع، بل نداء لليقظة والتمييز. هو تذكير بأن التعامل مع الناس يحتاج إلى بصيرة لا تقل أهمية عن حسن الظن، وأن الحكمة تكمن في الجمع بين سلامة القلب وحذر العقل.
لقد فهم المجذوب طبيعة البشر كما هي: كائنات معقدة، قد تجمع في لحظة واحدة بين الابتسامة والريبة، بين الودّ والاختبار، وبين ظاهرٍ مطمئن وباطنٍ لا يعلمه إلا الله.
ويبقى قوله هذا مرآة صافية لواقع لا يتغيّر: أن العلاقات الإنسانية أجمل ما تكون حين تتطابق الوجوه مع القلوب… وحين يصبح الضحك صادقًا، لا قناعًا يخفي ما تحته.









