4 ــ تاريخ ظهور وانتشار الشاي في المغرب
يعد الشاي من المشروبات المميزة لدى الكثير من الدول ضمنها المغرب، إذ يعتبر هذا المشروب لدى المجتمع المغربي مشروبا حديثا، حيث تفيد مجموعة من الدراسات، أن الشاي دخل المغرب في مطلع القرن الثامن عشر خلال فترة حكم السلطان إسماعيل ،وظل منذ تلك الفترة، مادة ينحصر استعمالها في البلاط الملكي والوسط المخزني ،ولم ينتشر شربه في البوادي إلا في نهاية القرن التاسع عشر.
ويورد عبد الحق المريني مؤرخ المملكة عدة احتمالات حول قضية ظهور الشاي في المغرب ،وأكد أن جل المؤرخين اتفقوا على أن المغرب ،عرف الشاي في القرن الثامن عشر ،وبدأ انتشاره تدريجيا في منتصف القرن التاسع عشر ،لما صار المغرب يتعاطى التجارة مع أوربا .وفي هذا الصدد يقول إن دخوله إلى المغرب ،كان على ما يبدو في عصر السلطان المولى إسماعيل ،حيث تلقى أبو النصر إسماعيل أكياسا من الشاي والسكر ضمن مجموعة من الهدايا المقدمة من طرف المبعوثين الأوربيين للسلطان العلوي، تمهيدا لإطلاق سراح الأسرى الأوربيين، الذين كانوا محتجزين في المغرب ،وأكد أن بداية النصف الثاني من القرن 19 (1856 ــ 1860) تعتبر مرحلة حاسمة في انتشار الشاي في بلاد المغرب اجتماعيا وجغرافيا ،من القصر والحاشية ،إلى الأرستقراطية الحضرية والريفية ،وصولا إلى العامة من الحواضر والبوادي .
والمعطيات التاريخية المتوفرة حول تناول الشاي بالمغرب قبل النصف الثاني من القرن 18 تشير إلى أن استهلاكه ظل محدودا جدا، وسلعة نادرة ، وباهظة الثمن ،ويعد من سلع الترف ،وفي نهاية القرن 18 مكن انخفاض سعره من توسع استهلاكه في الأوساط التي تنزع إلى مكانة المخزن ورجالاته ،ثم تلقاه باقي عموم الشعب ،وعم تناوله في المقاهي كما في المنازل .
وفي رواية أخرى تفيد ا أن المغاربة تعرفوا عليه عن طريق الإنجليز عبر جبل طارق ،الذين بدورهم عرفوه فيما سبق عن طريق التجار العرب، وانتقل من أوربا إلى المغرب عبر التسرب الاستعماري والوسائط التجارية ،وهي الفترة التي توجت الانتشار الاجتماعي لشرب “أتاي” كما أكد ذلك عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي في كتابهما : “من الشاي إلى أتاي ــ العادة والتاريخ”،
ويشار أيضا إلى أن الشاي شاع على أوسع نطاق، في وقت الخصاص الاقتصادي الذي ارتبط بظروف الحرب العالمية الثانية، حيث قننت سلطات الحماية الفرنسية استهلاك المغاربة للمواد الغذائية أي في وقت ما يعرف ب “عام البون “.
وفي باب آخر عرفت بلادنا استهلاكه عن طريق القناصل والسفراء والتجار على سبيل الهدايا ،وفي ذلك قالت الكاتبة حسناء بوتوادي في كتابها : “القهوة والشاي في التراث العربي المخطوط “إنه حينما زار السفير الإنجليزي شارل ستيوارت المغرب عام 1721م،قدم لحاكم مدينة تطوان ولمرافقيه الحلويات والشاي ،ولما حل سفير إنجليزي آخر هو روسل سنة 1727م منح أيضا لحاكم تطوان رطلين من الشاي ،وأربعة أقراص كبيرة من السكر ،وكان من جملة الهدايا التي حملها أيضا هذا السفير إلى السلطان صندوقان يحتويان عل 14 قطعة من السكر الملكي ،و18 رطل من الشاي (عن كتاب داود تاريخ تطوان).
وتواصلت عمليات جلب السفارات للشاي والسكر، فمن هدايا إلى البلاط مثلما فعل الفرنسي soudeau عندما زار السلطان ابن هشام سنة 1825م، وبعده Ros coate سنة 1851م حينما حل بمراكش ،مما يدل على أن البضاعتين كانتا من المواد الفاخرة ،فإن الشاي والسكرشكل جزءا من الهدايا المتبادلة داخل المغرب ،حيث كان السلطان ابن هشام حصل من قائده محمد أشعاش على هدايا تضمنت شايا وسكرا ،كما أهدى السلطان نفسه هاتين المادتين إلى أحد الشرفاء .
لذلك تجزم حسناء بوتوادي أن الرحالة والجواسيس والقناصل الأوربيون منذ العقود الأخيرة للقرن 18، ساهموا في تزايد إقبال المغاربة على استهلاك المشروب ،إذ لاحظ louis de chenier عشق المغاربة لهذه المادة ،وبعده بسنوات سجل الجاسوس الإسباني Domingo Badia على باي العباسي، أنه ليس هناك مسلم متوسط الحال في المغرب، لا يتوفر في منزله على قدر من الشاي لتقديمه لضيوفه ،غير أن مثل هذه الانطباعات التي سجلها الأوربيون في أواخر القرن 18 وأوائل القرن 19 ،لا يمكن اعتبارها دليلا على التوسع الشامل في استهلاكه بالمغرب، لأنهم لم يلاحظوا انتشاره إلا في بعض المدن الساحلية التي تقوت بها التجارة الخارجية كالرباط و الصويرة وطنجة .أما اكتساحه للبوادي والمناطق النائية، فرده جل المؤرخين إلى المعاهدة المغربية الإنجليزية سنة 1856م ، وخاصة بعد حرب القرم ،حيث حرمت إنجلترا من سوق البلدان السلافية ،وهو ما جعلها تبحث عن أسواق بديلة، فاتجهت إلى المغرب ،بعد إخفاق المغرب في حرب تطوان ،فأبرمت اتفاقيات ومعاهدات ،و دخل المغرب في دوامة التجارة الدولية ،وأصبحت واردات الشاي والسكر ترتفع ،وكانا بمثابة الجواز الذي سهل هيمنة التجارة الأوربية في البلد ،حيث شكلا العشر من مجموع الواردات خلال الثلاثينيات من القرن الماضي. ومن هناك تم فتح المجال لتنافس الشركات الأوربية ، وإضعاف احتكار المخزن للمادتين .
وقد سجل شارل دي فوكو 1885م إقبال المغاربة المتزايد على هذا المشروب ،وانتشاره في المناطق البعيدة ضمنها الصحراء المغربية ،وغيرها من المناطق النائية، كما سجل هاميطHAMET تعاطي المغاربة للمادة في نهاية القرن19، وأوضح أنه ما بين 1860 و1878م وصل إلى البوادي القريبة من المدن، وبين 1880و 1892 غزا جميع القرى المغربية ،وانتقل كذلك إلى أعالي الجبال (كتاب من الشاي إلى أتاي العادة والتاريخ).ويروى أيضا أن بعض السلاطين استخدموه كسلاح لتهدئة الأوضاع داخل البلاد ،حيث عمد الحسن الأول إلى إهداء المشروب وأواني إعداده، إلى رؤساء القبائل الذين رفضوا أو ترددوا في الخنوع للسلطة ،ويبدو أن بعض الزوايا عمدت إلى اقتران الشاي بالهدية والهدية المضادة ،حيث يسعى الطرف الأعلى إلى تيسير التواصل ،وإبطال المقاومة وترسيخ روابط التبعية . حتى أصبع للشاي قصة حضارة ونمط تفكير في المخيال الشعبي ، وحضور متميز في الإبداع المغربي التقليدي، خصوصا في الشعر الغنائي والنصوص الأدبية تنتقد آداب وطقوس الشاي ،ودلالاته الرمزية ،ومقاومته من طرف الفقهاء الذين واجهوه بالتحريم ودعمه آخرون بالتحليل ،والبعض الآخر عرض تشابه الجلسة الخمرية مع جلسة الشاي، و اشتهر في هذا الباب مجموعة من الكتاب والشعراء والزجالين ،وصار الشاي مشروبا وطنيا بامتياز إلى زمننا الحاضر.








