مستجدات

الصحافة بين الفراغ والرسالة: هل ما زال للقلم صوت؟

طاقم ALLNEWS11 سبتمبر 2025
الصحافة بين الفراغ والرسالة: هل ما زال للقلم صوت؟

الخياطــي هاشــم

في زمن تسكنه السرعة وتُصاغ فيه المواقف عبر “ترند” عابر أو تدوينة منفعلة، تتجدد الأسئلة الحارقة حول مصير الصحافة ودورها في صناعة وعي جماعي حقيقي. فالمهنة التي كانت تُصنّف سلطة رابعة وضميرًا حيًا يحرس الحقيقة ويُثير الأسئلة ويقف في وجه الفساد، تبدو اليوم وقد فقدت الكثير من بريقها وأدوارها النبيلة.

لقد كانت الصحافة يومًا ما صوتًا للمهمشين، ودرعًا أمام التسلط، وأداة نقدية تصون الديمقراطية. لم تكن تكتفي برصد الوقائع، بل كانت تصنع النقاش وتؤطره، وتُحرج الفاسدين وتوقظ الغافلين. أما اليوم، فقد تسلّل إلى المشهد الإعلامي نموذج جديد، لا يزعج السلطة ولا يحرج السوق، بل يلهث خلف الإثارة ويبحث عن “إعجاب” سريع أو “مشاركة” أكثر.

تراجعت الصحافة العميقة لصالح محتوى سطحي يُعيد إنتاج الفراغ، وتوارى الصحافي الجسور خلف حسابات السوق وضغوط الرقابة، مكتفيًا بمنطقة الأمان المهني، بعيدًا عن القضايا الكبرى. ومع ذلك، ما زالت هناك ومضات ضوء تقاوم هذا المد العارم من الرداءة؛ منابر وصحافيون يصرّون على النبش في المسكوت عنه، ويكتبون بحبر الضمير، رافضين الانصياع لرعاة التزييف.

لكن الخطر الأكبر يتجسد في تحويل الإعلام إلى مجرد وسيلة ترفيه، تُضحك حين يلزم أن تصرخ، وتُسلي حين يُفترض أن تُحاسب. هكذا يُختزل المواطن من فاعل نقدي إلى مستهلك سلبي يلتقط الأخبار كما يلتقط الإعلانات، وتُترك الساحة فارغة للإشاعة، ولـ”المؤثر” كي يحل محل الصحافي، و”الترند” كي يصبح بديلًا عن الحقيقة.

إن استمرار هذا المسار لا يهدد مصداقية المهنة فحسب، بل يُعمّق الفساد، ويُشوّه علاقة المواطن بالواقع، ويدفع إلى مزيد من اللامبالاة والإحباط. ورغم ذلك، لا تزال هناك أصوات صحفية صامدة، تعمل بإمكانات محدودة، لكنها ترفض أن تنطفئ شعلة النقد، مؤمنة بأن الصحافة التزام أخلاقي قبل أن تكون وظيفة.

السؤال المطروح اليوم بحدة: هل نحن فعلًا أمام صحافة حقيقية، أم مجرد صناعة محتوى استهلاكي عابر؟ هل نريد إعلامًا يخدم الوعي أم يسوّق للسلطة والسوق؟

الجواب لا يحتاج إلى تردّد: لا تنمية بلا إعلام حر، ولا وعي جماعي دون صحافة تقود، لا تتبع. معركة استعادة الصحافة الحقيقية هي معركة وعي جماعي، تتطلب إرادة من الصحافيين، ومن المؤسسات، ومن المجتمع بأسره.

فالصحافة التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي تُرضي الجميع، بل التي تزعج حين يلزم الإزعاج، وتُنير حين يعمّ الظلام، وتُصغي لصوت الناس لا لصدى السلطة. من دونها، تصبح المجتمعات مثل مدن بلا ضوء، بلا خرائط، وبلا نبض

 

الاخبار العاجلة