مستجدات

القنيطرة بين نبض التنمية وجحافل التسول: حين تتحول الأرصفة إلى مسرح للاستدرار

طاقم ALLNEWS2 مارس 2026
القنيطرة بين نبض التنمية وجحافل التسول: حين تتحول الأرصفة إلى مسرح للاستدرار

هاشــم الخياطــي

في شوارع القنيطرة، حيث تختلط حركة الطلبة بالعمال والتجار، وتتقاطع السيارات مع المارة في مشهد يومي يعكس حيوية المدينة، برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة باتت تؤرق السكان والزوار على حد سواء: جحافل من المتسولين من مختلف الأعمار، نساءً ورجالاً، شيوخاً وشباباً، بل وحتى أطفالاً صغاراً، يحتلون الأرصفة والإشارات الضوئية وأبواب المساجد والمقاهي.

المشهد لم يعد استثناءً عابراً، بل أصبح جزءاً ثابتاً من الصورة اليومية للمدينة. أطفال بملابس رثة يمدّون أيديهم بين السيارات، نساء يحملن رضّعاً في ساعات متأخرة من الليل، ونساء في كامل صحتهم يعرضون علب “الكلينيكس” أو قطع حلوى كذريعة تخفي وراءها ممارسة تسول ممنهجة. لم يعد الأمر مرتبطاً بحالات فقر مدقع فقط، بل تحوّل – في جزء منه – إلى “حرفة” يتقن أصحابها أساليب الاستعطاف واستدرار العطف.

الخطير في الظاهرة أنها لا تسيء فقط إلى الذوق العام، بل تترك انطباعاً كارثياً لدى الزائر عن المدينة. فحين تتكاثر مشاهد التسول عند كل إشارة مرور، وعند مداخل الأسواق الكبرى، وأمام الإدارات والمقاهي  ، فإن صورة المدينة كفضاء حضري منظم تتآكل تدريجياً. التنمية لا تُقاس فقط بالمشاريع والبنايات، بل أيضاً بجودة الفضاء العام وهيبته.

لا يمكن إنكار أن للفقر والهشاشة دوراً في تغذية هذه الظاهرة، غير أن ما يثير القلق هو استغلال الأطفال بشكل فجّ. وجود قاصرين في الشوارع لساعات طويلة، تحت القر والحر ، يعرضهم لمخاطر الاستغلال والانحراف ويحرمهم من حقهم الطبيعي في التعليم والحماية. هنا يتحول التسول من سلوك فردي إلى إشكال اجتماعي وأخلاقي وقانوني.

القانون المغربي يجرّم التسول، خصوصاً حين يقترن بالتحايل أو استغلال القاصرين أو الادعاء الكاذب بالعجز. غير أن تفعيل النصوص يظل رهيناً بصرامة التطبيق واستمراريته. حملات موسمية لا تكفي، إذ سرعان ما يعود الوضع إلى ما كان عليه. المطلوب رؤية شمولية تجمع بين المقاربة الأمنية والاجتماعية: ردع المحترفين، وحماية المحتاجين الحقيقيين عبر إدماجهم في برامج الدعم والمواكبة.

كما أن للمجتمع دوراً أساسياً في الحد من تفاقم الظاهرة. فالعطاء العفوي في الشارع، رغم حسن النية، يشجع – من حيث لا ندري – على استمرار “اقتصاد التسول”. توجيه المساعدات نحو جمعيات موثوقة أو مبادرات منظمة أكثر نجاعة من تسليم نقود عند كل إشارة مرور.

إن مدينة بحجم وطموح القنيطرة تستحق فضاءً عاماً يحترم كرامة الإنسان، سواء كان مواطناً ميسوراً أو في وضعية هشاشة. محاربة التسول ليست حرباً على الفقراء، بل دفاع عن كرامتهم أولاً، وعن صورة المدينة ثانياً. بين التعاطف المشروع والحزم القانوني، يبقى التوازن هو السبيل إلى إعادة الاعتبار لشوارع أنهكتها الأيادي الممدودة، واسترجاع هيبة الفضاء العام بما يليق بمدينة تتطلع إلى مستقبل أفضل.

 

الاخبار العاجلة