مستجدات

القنيطـــــرة تخلد الانتفاضة ضد المستعمر الفرنسي أيام 7 و8 و9 غشت 1954.

طاقم ALLNEWS7 أغسطس 2026
القنيطـــــرة تخلد الانتفاضة ضد المستعمر الفرنسي أيام 7 و8 و9 غشت 1954.

منعطف حاسم في تاريخ المغرب الحافل بالأمجاد والملاحم والبطولات

 

يخلد الشعـب المغربـي ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومـة وجيش التحرير، يوم الخميس 7 غشت 2026، الذكرى 72 للانتفاضة الشعبية التي شهدتهـا مدينة القنيطرة أيام 7 و8 و9 غشت 1954، والتي تعتبر منعطفا مفصليا وحدثا تاريخيا بارزا في ملحمة كفاح العرش والشعب من أجل الحرية والاستقلال وتحقيق الوحدة الوطنية والترابية.

إن نشأة الحركة الوطنية بإقليم القنيطرة وبمناطق الغرب الشراردة بني احسن، تعود إلى الفترة التي اندلعت فيها الحركات الاحتجاجية ضد ما سمي بالظهير البربري في 16 ماي 1930، واجتاحت أغلب المدن المغربية من بينها مدينة القنيطرة.

لقد فطن قادة الحركة الوطنية في كل من فاس والرباط وسلا ومنذ الوهلة الأولى لمخطط نظام الحماية الفرنسية في جعل مدينة القنيطرة قاعدة لها. لذا، هبوا مبكرا لمناهضته حيث وضعوا استراتيجية لاستقطاب جماهير المدينة إلى صفوفهم بشتى الطرق من خلال التعليم الذي لعب دورا أساسيا في تأطير الشباب ونشر مبادئ الحركة الوطنية وتكوين جيل من المثقفين لمواجهة المستعمر، وتعزيز حركة المدارس الحرة وفتحها في مختلف أنحاء المغرب، وذلك استعدادا لمواجهة سياسة الحماية. كما تعبأوا للقيام بمهمة الوعظ والإرشاد من خلال إلقاء دروس التوجيه وتلقين القيم الوطنية التي تحث على التصدي للمستعمر، علاوة على تعبئة الجمعيات الرياضية والتربوية والثقافية والشبابية.

ومن الصفحات الخالدة التي سجلها التاريخ للمنطقة مساهمتها الوازنة في حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944. فقد كان لمناطق الغرب الشراردة بني احسن قصب السبق في المبادرة لتنظيم هذه الوقفة التاريخية، وتم إعدادها واختيار توقيت انطلاقها، وتحديد مضامينها بتشاور وتوافق مع أب الوطنية وبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه.

ومن الشخصيات الوطنية المنتمية لهذه الحاضــرة المناضلة والموقعــة على وثيقة المطالبة بالاستقلال التاريخية، نذكر المرحومين محمد الديوري والجيلالي بناني وبوشتى الجامعي ومحمد بناني وحسن الورزازي وأحمد بن عثمان بندلة.
وقبل نفي جلالة المغفور له محمد الخامس، كانت العلاقة وطيدة بينه وبين سكان مدينة القنيطرة، وتأكدت في أبهى صورها بعد نفيه في 20 غشت 1953.

فالدارس لتاريخ المغرب الحديث يلاحظ الحضور المتميز لمدينة القنيطرة في جل المحطات النضالية من أجل نيل الحرية والاستقلال حتى يوم 16 نونبر 1955، تاريخ عودة الملك الشرعي إلى عرشه وإعلانه عن انتهاء عهد الحجر والحماية وإشراقة شمس الحرية والاستقلال، والانتقال من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر من أجل بناء وإعلاء صروح المغرب الجديد الحر والمستقل.

لقد استرخص أبناء القنيطرة حياتهم وسقوا بدمائهم المعارك النضالية التي خاضوها في مواجهة المستعمر بالمدينة وضواحيها، ولم يثنهم عن ذلك العدد الكبير من الشهداء والجرحى والمنفيين والمعتقلين؛ حتى التلاميذ والأطفال تركوا مدارسهم وكتاتيبهم القرآنية للمساهمة القوية في انتفاضة 7 و8 و9 غشت 1954. وظل سكان القنيطرة على الدوام يثمنون، وبالملموس، مواقف القصر الملكي بالمدينة وعطف جلالته قدس الله روحه على رجالات الحركة الوطنية بها وعلى نقابييها وأبنائها في الحركة الكشفية وفي النوادي الرياضية وعلى صناعها التقليديين والحرفيين وعلى تجارها الصغار والمتوسطين وفلاحيها ونسائها الفاعلات في صفوف الحركة النسائية تحت إشراف الأميرة لالة عائشة.
ويسجل التاريخ أنه في 20 غشت 1953، انطلقت حافلات “كليمان” من مدينة القنيطرة، وكانت وجهتها الرباط لنقل الأسرة الملكية من القصر الملكي إلى المطار، وشركة “كليمان” للنقل كانت معروفة آنذاك، وكان يعمل بها مغاربة وفرنسيون وإسبان كسائقين. وقد تم إخبار سائقين مغربيين اثنين من أبناء القنيطرة وتكليفهما بمهمة قيادة الحافلات والتوجه إلى القصر الملكي بالرباط صباح يوم 20 غشت 1953 باكرا. إلا أنه في آخر لحظة، أبعدتهما إدارة الشركة عن المهمة، اعتبارا لعلاقتهما المعروفة بالوطنيين والخلايا الحزبية بالمدينة. وهكذا، تم تعويضهما بسائقين من جنسية غير مغربية للقيام بالمهمة.

 

وتجدر الإشارة إلى عملية إحراق معمل الفلين، وهي أول عملية فدائية بعد مرور أقل من 28 ساعة على نفي جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، وإبعاده عن عرشه ووطنه، بالإضافة إلى نسف القطار الرابط بين الدار البيضاء ووهران بالجزائر، وهي العملية التي أربكت وأذهلت وهزت أركان القوات الاستعمارية الفرنسية. وبذلك جرى الإعلان عن الشروع في العمل المسلح؛ فتأسست الخلايا الفدائية وتم اقتناء الأسلحة (مسدسات، رصاص، وبارود لصنع القنابل المحلية) بدعم وتمويل من الوطنيين وأعضاء الخلايا آنذاك ومن بعض المحسنين.

ولقد قال المحامي الفرنسي “جان شارل لوكران” في كتابه: “أيتها العدالة، يا موطن الإنسان”: “إن الملك محمد الخامس لم يرجع إلى عرشه من قصور أو مكاتب أو قاعات استقبال، لقد رجع الملك محمد الخامس إلى عرشه من محمل مصرع الشهداء.
وفعلا، كان الارتباط القوي بالقصر الملكي وبشخص جلالة المغفور له محمد الخامس من العوامل الأساسية، إن لم يكن العامل الرئيسي الأول الذي ساهم في تحقيق التجاوب والتلاحم بين أهل دكالة وأهل فاس وأهل عبدة وأهل الشياظمة وأهل الغرب الشراردة بني احسن وأهل الحوز وأهل مراكش وأهل سوس وأهل طنجة وجميع أبناء الوطن. وهكذا، كانت الانطلاقة لمسلسل نضالي حضاري وقيمي طافح بأمجاد وروائع الكفاح الوطني، حق للناشئة والأجيال الجديدة الاعتزاز به.


لقد جعل نظام الحماية من مدينة القنيطرة واجهة لعرض أطروحاته وأكاذيبه القائلة بأنه جاء للمغرب ليس للهيمنة والسيطرة وإذلال الإنسان واستغلال سكان البلاد ونهب خيراتها، وإنما جاء لنشر وإرساء التمدن، أي لإقامة الصرح الحضاري كما كان يحلو لدهاقنة الاستعمار قوله والتبجح به. لذلك، كان نظام الحماية واعتبارا لدواعي إيديولوجية استعمارية توسعية محضة يروج للأطروحة القائلة إن القنيطرة لم تكن موجودة وإنما هي من صنع الحماية الفرنسية من لا شيء.

ولهذا الهدف، عمل نظام الحماية على استبدال اسم القنيطرة باسم ميناء ليوطيPORT LYAUTY سنة 1932. ولم تكن مفاجأة ومدعاة للاستغراب أن يتأسس أول حزب يميني متطرف (صليب النار) بالقنيطرة التي كانت ركحا لمعارك بين المتطرفين والليبراليين أكثر من أي مدينة أخرى من الوطن.
كل هذه التحديات والتداعيات لم تستطع إخفاء الأهمية التاريخية الثابتة للقنيطرة الوطنية والمجاهدة والشعبية في تاريخ المغرب منذ السنوات الأولى للاستعمار بالبلاد.

لقد ظل اسمها حاضرا وبامتياز في مختلف الأحداث والمواقف والقرارات التي صهرت تاريخ المغرب الحديث. ففي واقع الأمر، فطنت الحركة الوطنية مبكّرا للمكيدة الاستعمارية الهادفة إلى تحويل مدينة القنيطرة إلى مرتع للإيديولوجية الاستعمارية وللمعمرين المتطرفين، لذلك شجعت الهجرة المكثفة إليها. وللتصدي لهذا المخطط، عملت على تحفيز المغاربة في مختلف مدن وجهات المغرب للهجرة إلى القنيطرة. وفعلا، تمت الاستجابة لدعوة الحركة الوطنية، حيث توافد على المدينة وطنيون من كل أرجاء البلاد، وتآلفوا فيما بينهم عبر الزاوية والمسجد والمدرسة والجمعيات والنوادي الرياضية وغيرها.

وشكلت هذه الاستراتيجية خطوة جوهرية على درب إفشال مخططات نظام الحماية ليس بمنطقة الغرب الشراردة بني احسن وعاصمتها القنيطرة فحسب، وإنما بالمغرب كله. وهذا ما يفسر تجذر الحركة الوطنية مبكرا بالقنيطرة.
وبذلك، ظلت القنيطرة حاضرة بامتياز في تاريخ المغرب الحديث، وطنيا ونضاليا منذ 1915، وشكلت أرضية صلبة لانطلاق النضالات واندلاع المظاهرات الشعبية إلى أن اضطر أبناء حلاّلة، لا سيما شباب ديور صنياك والمدينة القديمة والدوار والبوشتيين وديور المخزن وغيرها من الأحياء الشعبية إلى المساهمة المكثفة في الكفاح المسلح والمواجهة المباشرة والعلنية مع القوات الاستعمارية رغم قوة عتادها وجيوشها ومخبريها والمتعاملين معها.

وإلى جانب الانتفاضات الشعبية والكفاح المسلح، لعب النضال الاقتصادي دورا مهما. فقد حرص الوطنيون والمقاومون المغاربة على تطبيق مقاطعة البضائع الفرنسية، ولم يتوانوا لحظة في إنجاح المقاطعة بجميع الوسائل وعيا منهم بأنها تشكل ضربة قاسية للمستعمر عبر شل الاقتصاد كأسلوب من الأساليب النضالية الراقية التي لها جدواها الأكيدة والمباشرة، وذلك بإقفال الدكاكين واعتبار استهلاك الدخان من المحرمات في حق الوطن، وتمكنوا بذلك من ضرب مصالح الرأسماليين الفرنسيين في الصميم. وأصبح هؤلاء يضغطون على الإقامة العامة والحكومة الفرنسية للقضاء على المقاومة ولوضع حد للعمليات الفدائية. لكن كلما اشتد القمع والتنكيل، كلما تقوت روح المقاومة والكفاح، وهذا ما أرهبهم بعد أن أيقنوا أن المقاومة أضحت حاضرة في كل مكان وفي كل حين. والواقع أن شل الاقتصاد الاستعماري وتحريك الجماهير في الشوارع وتعبئتها يعتبران من العوامل الأساسية والمؤثرة، مع المقاومة المسلحة التي ساهمت وبشكل كبير، في تغيير مجرى الأحداث السياسية.


وإن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد هذه المحطة التاريخية المجيدة، التي تتزامن، هذه السنة وإحياء الشعب المغربي للذكرى السادسة والعشرين لاعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، لتؤكد على واجب الوفاء والبرور بالذاكرة التاريخية الوطنية والمحلية التي يتحتم ترسيخ فصولها وأطوارها في نفوس الناشئة والشباب والأجيال الجديدة، حتى تظل الروح الوطنية حية في أذهانهم، ماثلة في ضمائرهم ووجدانهم، لتقوية مواقف المواطنة الإيجابية والفاعلة والملتزمة في أوساطهم للإسهام في مسيرات البناء والنماء بقيادة جلالته حفظه الله، الذي مافتئ يلح ويؤكد على ضرورة التزود من ملاحم الكفاح الوطني والإشادة ببطولات المقاومين وسائر فئات المجتمع بسائر جهات وربوع الوطن، والتنويه بدورهم في معركة التحرير، والتشبع بحمولة المواطنة الإيجابية والمسؤولة التي لا غنى عنها من أجل بناء مجتمع ناهض ومتقدم تسوده روح التضامن والتعاون والتجند على درب البناء والتنمية والتعبئة المستمرة دفاعا عن هويته المغربية الأصيلة، والانخراط في أوراش ومشاريع التنمية الشاملة والمستدامة بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية، وفي الارتقاء بمكانة المغرب بين أمم المعمور، وإذكاء إشعاعه الحضاري كبلد عريق متمسك بمبادئ وقيم السلام والتعايش والتسامح والاعتدال والتطلع الدائم إلى مستقبل أفضل، ونشر القيم الإنسانية والكونية المثلى.

والمناسبة سانحة للتأكيد مجددا على الموقف الثابت للشعب المغربي، ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحريـر، وكافة مكونات وأطيــاف المجتمع، وتعبئتهم المستمرة ويقظتهم الموصولة وتجندهم الدائم وراء عاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس، من أجل تثبيت المكاسب الوطنية والدفاع عن وحدتنا الترابية غير القابلة للتنازل أو المساومة، متشبثين بالمبادرة المغربية القاضية بمنح حكم ذاتي موسع لأقاليمنا الجنوبية المسترجعة في ظل السيادة الوطنية.
واحتفاء بهذه الذكرى الغالية، تنظم النيابة الإقليمية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالقنيطرة مهرجانا خطابيا وندوة فكرية في موضوع: “انتفاضة القنيطرة سنة 1954 ضد المستعمر، إذكاء لمشاعر الوطنية الحقة”، تلقى خلالهما كلمات وشهادات ومساهمات علمية تستحضر الدلالات الرمزية والأبعاد التاريخية لهذه الانتفاضة المجيدة، وذلك يومه الخميس 7 غشت 2025 على الساعة الخامسة عصرا بفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالقنيطرة، بمشاركة صفوة من الأساتذة الجامعيين والباحثين والدارسين والمهتمين، وبحضور السلطات المحلية والإقليمية ورؤساء وأعضاء الهيآت المنتخبة والفعاليات الجمعوية والمنتمين لأسرة المقاومة وجيش التحرير.
كما سيتم بهذه المناسبة تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وتوزيع إسعافات اجتماعية على عدد من أفراد هذه الأسرة المجاهدة، في سياق حرص المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على تلبية الطلبات والملتمسات الواردة عليها من مرتفقيها، ممن هم أهل وأحق بالدعم المادي والتكريم المعنوي.

ويذكر أنه بهذه المناسبة، ستنظم النيابة الإقليمية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالقنيطرة مهرجانا خطابيا وندوة فكرية حول موضوع: “انتفاضة القنيطرة سنة 1954: التاريخ والذاكرة”، وذلك غدا الجمعة بقاعة التجارة والصناعة والخدمات بالقنيطرة، بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين، وبحضور السلطات المحلية والإقليمية ورؤساء وأعضاء الهيات المنتخبة والفعاليات الجمعوية والمنتمين لأسرة المقاومة وجيش التحرير.

كما سيتم بهذه المناسبة تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وتوزيع إسعافات اجتماعية على عدد من أفراد هذه الأسرة المجاهدة، في سياق حرص المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على تلبية الطلبات والملتمسات الواردة عليها من مرتفقيها.

كما سيتم، أيضا، تنظيم برامج أنشطة وفعاليات تربوية وثقافية وتواصلية مع الذاكرة التاريخية بسائر النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية، وكذا بفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير المبثوثة عبر التراب الوطني، بتنسيق وشراكة مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والهيآت المنتخبة والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وبحضور قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وأرامل وذوي حقوق المتوفين منهم وعموم المواطنين وسائر فئات وأطياف المجتمع.

الاخبار العاجلة