شكلت مشاركة المنتخبات العربية في كأس العالم 2026 محطة جديدة في مسار تطور كرة القدم العربية، بعدما شهدت النسخة الحالية حضوراً واسعاً وغير مسبوق، عكس حجم التقدم الذي حققته العديد من المنتخبات على المستويين الفني والتنظيمي. ولم تعد المشاركة العربية تقتصر على مجرد التواجد في أكبر محفل كروي عالمي، بل أصبحت تعبر عن طموحات متزايدة للمنافسة على الأدوار المتقدمة، وترسيخ مكانة أكثر تأثيراً لكرة القدم العربية في الساحة الدولية.
ويبرز المنتخب المغربي في صدارة المشهد العربي، بعدما واصل تأكيد مكانته كأحد أبرز المنتخبات العالمية، مستفيداً من المشروع الكروي الذي انطلق قبل سنوات، والقائم على الاستقرار التقني، والاهتمام بتكوين اللاعبين، والاستثمار في البنيات التحتية والتخطيط طويل المدى. فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، عندما أصبح أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف النهائي وينهي البطولة في المركز الرابع، نجح “أسود الأطلس” في بلوغ دور الـ16 في مونديال 2026، ليؤكدوا أن ما تحقق قبل أربع سنوات لم يكن استثناءً، بل نتيجة عمل متواصل ورؤية واضحة.
في المقابل، يقال أن منتخب “الكابرانات” تحايل على حضوره ضمن نخبة المنتخبات المشاركة في كأس العالم، مستنداً إلى مجموعة من اللاعبين (…..)، مع محاولة العمل على تطوير الأداء الجماعي وتعزيز الانسجام بين عناصر المنتخب، بما يقلل من قدرته على مجاراة كبار المنتخبات في الاستحقاقات المقبلة.
أما المنتخب المصري، فقد دخل البطولة مستنداً إلى تاريخه العريق في المنافسات العالمية والقارية، وإلى خبرة تراكمية طويلة جعلته أحد أكثر حضوراً على الساحة الكروية. ورغم أن طموحات الجماهير المصرية كانت تتطلع إلى نتائج أكبر، فإن المشاركة شكلت فرصة جديدة لتقييم المسار الفني، والبناء على الإمكانات التي تزخر بها الكرة المصرية استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وعلى الرغم من خروج منتخبات السعودية وقطر والعراق والأردن وتونس من المنافسة، فإن مشاركتها حملت العديد من المكاسب الفنية، من خلال الاحتكاك المباشر بأفضل المدارس الكروية في العالم، واكتساب خبرات ستنعكس إيجاباً على مستقبل هذه المنتخبات.
فقد واصل المنتخب السعودي كتابة فصول جديدة من تاريخه المونديالي، مستنداً إلى إرثه الذي يتصدره إنجاز بلوغ دور الـ16 في نسخة الولايات المتحدة 1994، وأضافت مشاركته الحالية خبرة إضافية من شأنها أن تدعم عملية التطوير التي تعرفها الكرة السعودية، خصوصاً في ظل الاستثمارات الكبيرة التي يشهدها القطاع الرياضي.
بدوره، واصل المنتخب القطري البناء على المكتسبات التي حققها بعد استضافة كأس العالم 2022، حيث أتاحت له المشاركة الحالية فرصة تعزيز خبراته الفنية، وترسيخ التجربة التي راكمها خلال السنوات الأخيرة، بما يدعم تطور الكرة القطرية على المدى المتوسط والبعيد.
أما المنتخب العراقي، فقد قدم وجوهاً شابة أظهرت إمكانات واعدة، واكتسب لاعبوه خبرة ثمينة في مواجهة منتخبات الصف الأول عالمياً، وهو ما يمثل قاعدة مهمة لإعادة بناء منتخب قادر على المنافسة في المستقبل.
وشكل الظهور الأول للمنتخب الأردني في نهائيات كأس العالم محطة تاريخية في مسيرة كرة القدم الأردنية، إذ اكتسب “النشامى” تجربة غير مسبوقة ستشكل نقطة انطلاق نحو بناء مشروع أكثر نضجاً خلال السنوات المقبلة.
كما أضاف المنتخب التونسي مشاركة جديدة إلى سجله المونديالي الممتد منذ عام 1978، مواصلاً حضوره المنتظم في أكبر التظاهرات الكروية، ومستفيداً من الاحتكاك المتواصل مع كبار المنتخبات العالمية لتعزيز خبراته الفنية.
وفي المجمل، تؤكد المشاركة العربية في مونديال 2026 أن كرة القدم العربية دخلت مرحلة جديدة عنوانها توسيع قاعدة المنافسة، ورفع مستوى الجاهزية، وتعزيز الاستثمار في الفئات السنية، وتطوير منظومات التكوين والتدريب، إلى جانب ترسيخ الاستقرار الفني والإداري باعتباره أحد أهم عوامل النجاح في المنافسات الكبرى.
ويظل المنتخب المغربي النموذج العربي الأكثر اكتمالاً في المرحلة الراهنة، بفضل وضوح مشروعه الرياضي واستمرارية نتائجه، ويتمتع المنتخب المغربي بتركيبة متكاملة تدمج بين الصلابة الدفاعية والجودة الفنية والفعالية الهجومية، مع انسجام واضح بين لاعبين يمتلكون خبرة جماعية متراكمة وقدرة على التأقلم مع مختلف أساليب اللعب.
ولكن التحدي الأكبر أمام “أسود الأطلس” يكمن في ضغط التوقعات المرتفعة، حيث أصبح الخصوم يتعاملون معه بجدية وحذر شديدين، معتمدين على التكتل الدفاعي وإغلاق المساحات. ولم يكن تأهل “أسود الأطلس” إلى دور ثمن النهائي هو الإنجاز الوحيد في هذه الألعاب، بل حملت المباراة بينه وبين هولندا رقماً تاريخياً تمثل في تصدر المغرب قائمة المنتخبات الإفريقية من حيث نسبة الاستحواذ في مباراة إقصائية بالمونديال، بعدما فرض سيطرته على مجريات اللعب بنسبة بلغت 70 في المائة أمام منتخب هولندي يملك تاريخاً كبيراً في المنافسات العالمية.
غير أن بقية المنتخبات العربية، وفي مقدمتها الجارة ومصر والسعودية وقطر والعراق والأردن وتونس، تمتلك بدورها مقومات يمكن أن تؤهلها مستقبلا لتحقيق قفزة نوعية إذا ما واصلت الاستثمار في التخطيط طويل الأمد وتطوير منظوماتها الكروية.
ومع اقتراب استضافة نهائيات كأس العالم 2030 في المغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، ثم تنظيم نسخة 2034 في المملكة العربية السعودية، تبدو كرة القدم العربية أمام فرصة تاريخية لترجمة هذا التطور إلى إنجازات أكبر، ليس فقط من خلال حسن التنظيم، وإنما أيضاً عبر بناء منتخبات قادرة على المنافسة الفعلية على أعلى المستويات، بما يرسخ حضور الكرة العربية كقوة صاعدة في المشهد الكروي العالمي.









