مستجدات

المغرب وموريتانيا.. أخوّة التاريخ والجوار أقوى من حملات الفتنة وحسابات المحرّضين

طاقم ALLNEWS24 أكتوبر 2026
المغرب وموريتانيا.. أخوّة التاريخ والجوار أقوى من حملات الفتنة وحسابات المحرّضين

هاشــم الخياطــي

ليست العلاقة بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية مجرد علاقة جوار تفرضها الجغرافيا، ولا هي ارتباط عابر تحكمه حسابات المصالح الظرفية، بل هي علاقة متجذرة في التاريخ، تستمد قوتها من الروابط الإنسانية والثقافية والاجتماعية، ومن إيمان شعبين شقيقين بأن استقرار كل منهما يشكل ركيزة أساسية لاستقرار الآخر، وأن ما يجمع البلدين أكبر بكثير مما قد يختلفان بشأنه.

وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي فضاء مفتوحا لترويج التأويلات المغرضة، وتضخيم الخلافات، وإشعال نقاشات لا تخدم سوى أصحاب الأجندات الضيقة، تبرز الحاجة إلى خطاب مسؤول يعيد الأمور إلى نصابها، ويحصّن العلاقات المغربية الموريتانية من محاولات التشويش، بعيدا عن المزايدات القومية والشعارات التي تتغذى على إثارة الحساسيات بين الشعوب.

إن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على التقليل من شأن جيرانها، ولا بمدى نجاح بعض الأصوات في تحويل الاختلافات السياسية إلى معارك مفتوحة بين الشعوب، بل بقدرتها على حماية مصالحها الوطنية، وتعزيز استقرارها، وبناء علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والوضوح في المواقف. ومن هذا المنطلق، فإن المغرب لا يحتاج إلى إضعاف موريتانيا حتى يثبت مكانته، كما أن موريتانيا ليست مضطرة إلى اتخاذ موقف عدائي من المغرب حتى تؤكد استقلالية قرارها وسيادتها الوطنية.

فلكل دولة سيادتها واعتباراتها ومصالحها، ومن الطبيعي أن تتباين تقديرات الدول أحيانا بشأن بعض الملفات الإقليمية أو الخيارات السياسية والدبلوماسية. لكن هذا التباين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتغذية العداء، أو إلى فرصة أمام جهات تسعى إلى استثمار الخلافات لإبعاد البلدين عن بعضهما البعض. فالاختلاف بين الدول ليس نهاية العلاقات، وإنما يصبح خطرا عندما يُدار بمنطق الاستفزاز والتشهير والتحريض، بدلا من الحوار والتفاهم وتدبير المصالح المشتركة.

والأخطر من ذلك أن تتحول بعض المنابر والحسابات الرقمية الخارجية إلى منصات لترويج خطابات توحي بأن حب الوطن لا يكتمل إلا بكراهية الجار، أو أن الدفاع عن السيادة الوطنية يقتضي اختلاق خصومة مع دولة شقيقة. وهي معادلة زائفة لا تخدم لا المغرب ولا موريتانيا، بل تفتح المجال أمام سوء الفهم وتسميم العلاقات الشعبية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مزيد من التعاون والتنسيق لمواجهة تحديات التنمية والأمن والاستقرار.

إن النقد حق مشروع، سواء تعلق الأمر بسياسات المغرب أو خيارات موريتانيا، شريطة أن يستند إلى الوقائع، وأن يحترم سيادة الدول وكرامة الشعوب، وألا يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات أو ترديد روايات تخدم مصالح أطراف خارجية. فليس كل اختلاف خيانة، وليس كل انتقاد عداء، كما أن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بحدة الخطاب ولا بكمية الإساءة التي يوجهها المرء إلى الآخرين، وإنما بقدرته على الدفاع عن مصالح بلاده دون السقوط في فخ الكراهية والتضليل.

والمغرب، بحكم موقعه وتاريخه وعلاقاته الإفريقية، يدرك أن بناء علاقات متينة مع محيطه الإقليمي يقتضي احترام سيادة الدول الشقيقة، والبحث عن نقاط الالتقاء، والعمل على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والإنساني. وموريتانيا بدورها بلد شقيق تربطه بالمغرب امتدادات تاريخية وروابط اجتماعية وثقافية، فضلا عن مصالح مشتركة تجعل من التعاون بينهما خيارا استراتيجيا يخدم الشعبين ويساهم في تعزيز الاستقرار بالمنطقة.

ولا يمكن النظر إلى هذه العلاقة بمنطق الربح والخسارة أو بمنطق من ينتصر على الآخر في سجالات مواقع التواصل الاجتماعي. فالمكاسب الحقيقية تتحقق عندما تتوسع المبادلات التجارية، وتتطور الشراكات الاقتصادية، وتتقوى جسور التواصل بين المواطنين، وتُفتح آفاق أوسع أمام الشباب والمقاولات والفاعلين الثقافيين، وعندما يصبح الاختلاف مدخلا للحوار لا ذريعة للقطيعة.

إن الشعب الموريتاني الشقيق يستحق خطابا يليق بتاريخه وكرامته، كما يستحق الشعب المغربي أن تُصان علاقته بأشقائه من حملات التحريض والتأويلات التي لا ترى في الجوار إلا ساحة للصراع. وبين الشعبين ما يكفي من الروابط والذاكرة المشتركة والمصالح المتبادلة لجعل لغة الحكمة أقوى من ضجيج المحرضين، ولجعل صوت العقل أرفع من أصوات الباحثين عن المتابعين والمكاسب العابرة.

إن الدفاع عن العلاقة المغربية الموريتانية لا يعني تجاهل الخلافات أو إنكار وجود تحديات، بل يعني التعامل معها بمسؤولية، وعدم السماح بتحويلها إلى أزمة بين شعبين لا مصلحة لأي منهما في العداء. فالدول الراسخة لا تخشى الحوار، والشعوب الواثقة من تاريخها لا تستمد قوتها من الإساءة إلى جيرانها، وإنما من قدرتها على بناء المستقبل وصيانة مصالحها الوطنية.

تحية تقدير إلى الشعب الموريتاني الشقيق، من مغرب يعتز بتاريخه وهويته، ويؤمن بأن موريتانيا القوية والمستقرة والمزدهرة مكسب للمنطقة بأسرها، وأن العلاقات بين البلدين ينبغي أن تظل قائمة على الاحترام المتبادل، وصيانة السيادة، والتعاون بما يخدم مصالح الشعبين.

المغرب وموريتانيا أكبر من منشورات مشبوهة ، وأعمق من خلافات ظرفية، وأقوى من محاولات التحريض. فالأخوّة الحقيقية لا تعني التطابق في كل المواقف، بل تعني الاختلاف دون عداوة، والدفاع عن الوطن دون الإساءة إلى الجار، والإيمان بأن المستقبل الذي يبنيه الأشقاء معا أفضل من أي مستقبل تُراد له أن يُبنى على الفرقة والخصومة.

 

الاخبار العاجلة