توصلت معظم الزوايا والأضرحة عبر مختلف مناطق المملكة بالهبة الملكية السنوية ا، لتي دأبت المؤسسة الملكية على تخصيصها دعماً للزوايا وأدوارها الدينية والروحية والاجتماعية.
غير أنّ زاوية سيدي عبد الله الخياط الرفاعي الحسيني، الكائنة بنواحي مولاي إدريس زرهون، لم تشملها هذه الهبة خلال الموسم الحالي، وفق ما أكدت مصادر محلية.
ويعد هذا التقليد الملكي مناسبة سنوية لترسيخ أواصر العناية بالزوايا الصوفية، تقديراً لأدوارها في إحياء الروح الدينية ونشر قيم الوسطية والتسامح.
فلا يمكن الحديث عن مدينة مولاي إدريس زرهون وما يحيط بها من أضرحة وزوايا، دون التوقف عند اسم بارز ترك بصمته في الوجدان المحلي والروحي، إنه الولي الصالح سيدي عبد الله الخياط الرفاعي الحسني، الذي مثّل على امتداد عقود طويلة أحد أعمدة التصوف المغربي، وواحداً من الرموز التي جمعت بين النسب الشريف، والورع، والزهد، وخدمة الدين.
رمزية سيدي عبد الله الخياط لا تقتصر على كونه شخصية تاريخية تنتمي إلى البيت النبوي عبر السلسلة الرفاعية، بل تمتد لتجسد معاني أعمق ترتبط بدور الأولياء في المغرب: حماية الهوية الروحية، إشاعة قيم المحبة، واحتضان الناس في لحظات ضعفهم وتيههم. ففي زمن كثرت فيه الفتن وصوت الماديات، يظل ضريحه شاهداً على أن الروح المغربية لم تنفصل قط عن منابعها الأصيلة.

لقد شكّل مقامه في ضواحي زرهون جسراً بين الأجيال، حيث تقصده الوفود للتبرك والذكر، وكانت تُقام عنده المواسم التي تجمع بين البعد الديني والاجتماعي والثقافي. فهو فضاء يجتمع فيه الناس حول ذكر الله، صلة الرحم، وإحياء التراث، بما يحفظ للمجتمع توازنه الروحي وهويته الثقافية.
وترتبط سيرة سيدي عبد الله الخياط ارتباطاً وثيقاً بالطريقة الرفاعية، إحدى أبرز الطرق الصوفية التي لعبت دوراً محورياً في نشر التصوف المعتدل والوسطية في المغرب والعالم الإسلامي. الطريقة الرفاعية، التي تشدد على التواضع، الزهد، وذكر الله الدائم، كانت وما تزال من أهم القنوات التي حافظت على الهوية الروحية المغربية، وساهمت في نشر قيم التسامح والسلام بين الشعوب، خاصة في فترة شهدت تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة. ويشكل ضريح سيدي عبد الله الخياط نقطة التقاء بين هذه القيم وبين حياة الناس اليومية، ليؤكد كيف يمكن للتراث الصوفي أن يكون رافعة للتوازن الروحي والأخلاقي في المجتمع.
وإذا كان التاريخ قد أنصف بعض الأضرحة الكبرى التي تحظى باهتمام رسمي وإعلامي، فإن ضريح سيدي عبد الله الخياط يطرح اليوم سؤال الذاكرة المنسية: لماذا يغيب الدعم عن مثل هذه المعالم الروحية أليس من حق هذه المقامات أن تجد مكانها في سياسات صون التراث، مثلما تُصان المعالم المادية الأخرى؟
إن إحياء سيرة الولي الصالح سيدي عبد الله الخياط ليس مجرد استحضار لماضٍ قديم، بل هو دعوة للحاضر كي يستلهم من قيمه في التربية الروحية، التسامح، وخدمة الناس. فالمغرب الذي يواجه تحديات التطرف يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة بريق تراثه الصوفي، والاعتناء بأضرحة وزوايا الأولياء الذين مثّلوا عبر التاريخ حصناً للوسطية والاعتدال.








