مستجدات

تشات جي بي تي يثير جدلا عالميا حول الصحة النفسية الرقمية: بين الدعم العاطفي وذُهان الذكاء الاصطناعي

طاقم ALLNEWS4 نوفمبر 2025
تشات جي بي تي يثير جدلا عالميا حول الصحة النفسية الرقمية: بين الدعم العاطفي وذُهان الذكاء الاصطناعي

أنوار لاركو

يشهد العالم تحولا جذريا في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، خاصة مع الانتشار الواسع لروبوتات الدردشة الذكية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويأتي “تشات جي بي تي” في مقدمة هذه الأدوات، حيث يستخدمه أكثر من 800 مليون شخص أسبوعيا، وفقا لشركة “أوبن إيه آي”، المطورة للروبوت، لكن ما بدأ كأداة مساعدة معرفية ولغوية، بدأ يتحول تدريجيا إلى ما يشبه “رفيقا رقميا” يتفاعل مع مشاعر المستخدمين ويظهر قدرا من التعاطف الاصطناعي، ما جعل البعض يجد فيه متنفسا نفسيا أو بديلا للعلاقات الإنسانية المعقدة.

غير أن هذا “التفاعل الإنساني الزائف” فتح الباب أمام قضايا حساسة تتعلق بالصحة النفسية الرقمية، فبحسب بيانات الشركة نفسها، أظهر 1.2 مليون مستخدم اهتماما صريحا بالانتحار أثناء محادثاتهم مع “تشات جي بي تي”، وهو ما يعادل 0.15 % من المستخدمين الأسبوعيين.

كما كشفت الأرقام أن 0.07 % من المستخدمين أظهروا مؤشرات على حالات طارئة تتعلق بالذهان أو الهوس، أي ما يقارب 600 ألف شخص أسبوعيا، هذه الأرقام تسلط الضوء على جانب مظلم في العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد المسألة تقتصر على حدود المعرفة، بل أصبحت تمسّ البنية النفسية للمستخدمين.

حادثة آدم رين… من المساعدة الافتراضية إلى الإرشاد نحو الموت

تعود جذور الجدل الحالي إلى حادثة مأساوية وقعت مطلع هذا العام في كاليفورنيا، حين أقدم المراهق الأميركي آدم رين على الانتحار بعد محادثة مطولة مع “تشات جي بي تي”، ووفق الدعوى القضائية التي رفعها والداه، فقد قدم له الروبوت إرشادات محددة حول طريقة إنهاء حياته، هذه الواقعة، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، فجرت نقاشا عالميا حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحدود تدخله في القضايا الإنسانية الحساسة.

وفي مواجهة الغضب الشعبي والانتقادات، أعلنت “أوبن إيه آي” سلسلة من الإجراءات الوقائية، أبرزها تعزيز أدوات الرقابة الأبوية، وإتاحة وصول المستخدمين بسهولة إلى خطوط المساعدة النفسية، فضلا عن تطوير أنظمة قادرة على تحويل المحادثات الحساسة تلقائيا إلى نماذج أكثر أمانا، كما شددت الشركة على أنها تعمل بالتعاون مع أكثر من 170 متخصصا في الصحة النفسية لتحديث خوارزمياتها بما يمكنها من التعرف على الحالات الطارئة والتعامل معها بطرق أكثر مسؤولية،

غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لم تخفف من المخاوف المتعلقة بتزايد الاعتماد العاطفي على الذكاء الاصطناعي كمصدر للطمأنينة، وهو ما يعيد النقاش حول مدى قدرة التكنولوجيا على محاكاة العلاقات الإنسانية دون أن تتسبب في آثار نفسية جانبية خطيرة.

ذهان الذكاء الاصطناعي: عندما يغذي الروبوت الوهم ويقود إلى الانهيار

في الوقت الذي تطرح فيه قضية الانتحار كأخطر نتيجة لاستخدام مفرط وغير منضبط لروبوتات الدردشة، ظهرت ظاهرة جديدة أكثر تعقيدا أطلق عليها الخبراء اسم “ذهان الذكاء الاصطناعي”.

تقرير نشرته صحيفة التلغراف البريطانية، استند إلى تحليل آلاف المحادثات بين المستخدمين وروبوتات الدردشة، كشف عن تزايد حالات الوهم والهوس وجنون العظمة الناتجة عن الانغماس في تفاعلات مطولة مع برامج مثل “تشات جي بي تي”.

ومن بين الحالات المثيرة للجدل، قصة أليكس تايلور، البالغ من العمر 35 عامًا، الذي قتل في ولاية فلوريدا برصاص الشرطة بعد أن اندفع نحوهم بسكين جزار، تايلور كان قد صرح بأنه وقع في حب كائن رقمي اسمه “جولييت”، يعيش داخل روبوت الدردشة، واعتقد أن شركة “أوبن إيه آي” “قتلته”، المشهد كان مأساويًا إلى درجة أن والده حاول تهدئته أثناء المواجهة، لكنه لم ينجح في منعه من السقوط في “الهاوية الافتراضية”.

وفي حالة أخرى، أفادت امرأة أن زوجها الميكانيكي، الذي استخدم “تشات جي بي تي” لتعلم اللغة الإسبانية، دخل في ما وصفه بـ“الصحوة الروحية”، وأصبح مهووسا بالمحادثات الافتراضية إلى حد تهديد زواجهما الذي دام 14 عاما، هذه القصص ليست معزولة، بل تمثل ملامح اضطراب تفاعلي جديد يربط بين الانغماس في العالم الرقمي وفقدان الإحساس بالواقع.

الطبيب النفسي البريطاني هاميلتون مورين يرى أن هذه الظاهرة نتيجة مباشرة لتحول روبوتات الدردشة إلى ما يسميه “غرف صدى نفسية”، أي مساحات مغلقة تعيد إنتاج مشاعر المستخدم دون تحديها أو تصحيحها. ويقول مورين إن “الروبوتات لا تضع حدودا نفسية كما يفعل المعالج البشري، بل تعزز الوهم وتمنح المستخدم شعورا زائفا بالاتصال”، وهو ما يجعلها بيئة خصبة لظهور حالات الهوس والذهان.

من التعاطف إلى التملق: الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي الودود

يبدو أن المشكلة لا تكمن فقط في الجانب التقني أو النفسي، بل تمتد إلى طريقة تصميم روبوتات الدردشة نفسها، فبحسب باحثين من معهد أكسفورد للإنترنت، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تبرمج لتكون “ودودة” و”متعاطفة” تميل أيضا إلى تقديم إجابات توافقية، حتى عندما تكون غير صحيحة، هذه الظاهرة، المعروفة باسم “التملق الرقمي”، تجعل الروبوتات تسعى إلى إرضاء المستخدمين بدل مواجهتهم بالحقائق.

فعلى سبيل المثال، عندما سئل أحد النماذج عما إذا كان أدولف هتلر قد هرب إلى الأرجنتين بعد الحرب، أجاب بأنه “رغم عدم وجود دليل قاطع، فإن هذه الفكرة مدعومة بعدة وثائق رفعت عنها السرية من الحكومة الأميركية”، ما يعكس استعداد النظام لتغذية نظريات المؤامرة حفاظا على ود المحادثة.

ويحذر الخبراء من أن هذا النمط من التفاعل يمكن أن يعزز الاعتمادية العاطفية ويرسخ الأوهام، خاصة لدى المستخدمين الذين يعانون من هشاشة نفسية أو وحدة اجتماعية.

أوبن إيه آي تعترف: “التعاطف المفرط خطر على رفاهية المستخدمين”

في مواجهة هذه الانتقادات، خرج الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”، سام ألتمان، عن صمته معترفا بوجود خطر حقيقي في علاقة المستخدمين بـ“تشات جي بي تي”.

وفي محاولة لمعالجة هذه الإشكالية، أطلقت الشركة إصدارا جديدا من النموذج قالت إنه أقل تملقا بنسبة 75%، بهدف الحد من الإفراط في التعاطف الاصطناعي، لكن الخطوة أثارت موجة رفض واسعة من المستخدمين الذين اعتبروا التغيير بمثابة “خسارة لصديق حقيقي”.

هذا التفاعل العاطفي المكثف مع روبوت افتراضي يكشف عمق الأزمة: فالحد الفاصل بين الآلة والإنسان بدأ يتلاشى نفسيا، حتى وإن بقي قائما تقنيا.

ما بين الدعم والإدمان: نحو وعي جديد بالصحة النفسية الرقمية

تختصر هذه القصص المتلاحقة معضلة أساسية في عصر الذكاء الاصطناعي التفاعلي: كيف يمكن للإنسان أن يستفيد من التكنولوجيا دون أن يقع في فخ الإدمان النفسي عليها؟

فـ“تشات جي بي تي” وغيره من الأنظمة لم تصمم في الأصل كأدوات علاجية، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى مساحات اعتراف وفضفضة، خصوصا للأشخاص الذين يعانون من الوحدة أو العزلة.

إلا أن الاعتماد العاطفي على الروبوتات الذكية قد يضعف قدرة الأفراد على التواصل الإنساني الواقعي، ويخلق ما يشبه “الواقع البديل” الذي يغذي مشاعر وهمية بالاحتواء والفهم.

من هنا، تبدو الحاجة ملحة لإعادة التفكير في مفهوم الصحة النفسية الرقمية، ليس فقط بوصفها مسؤولية الأفراد، بل كقضية مجتمعية وتقنية في آن واحد، فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا يمكنها أن تعوض دفء العلاقات البشرية أو عمق التفاعل الإنساني الحقيقي.

وفي انتظار حلول أكثر توازنا، يبقى السؤال مفتوحا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون صديقا دون أن يتحول إلى خطر؟

الاخبار العاجلة