في خطوة تعكس تحوّلاً حازمًا في تدبير منظومة التقييم التربوي، أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، يوم 31 مارس 2026، عن إطلاق حزمة متكاملة من الإجراءات التنظيمية والزجرية الرامية إلى تأمين الامتحانات الإشهادية والتصدي بصرامة لظاهرة الغش، التي باتت تشكل تحديًا حقيقيًا أمام مصداقية المدرسة العمومية.
وترتكز هذه الإجراءات على اعتماد حلول تكنولوجية متقدمة، من أبرزها تعميم نظام إلكتروني حديث قادر على رصد الهواتف النقالة ومختلف وسائل الغش داخل مراكز الامتحان، إلى جانب إحداث خط أخضر يتيح التبليغ الفوري عن أي خروقات، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
وأكدت الوزارة، في مذكرة رسمية موجهة إلى مسؤولي الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية، أن هذه التدابير تندرج ضمن تنزيل مضامين خارطة الطريق للإصلاح التربوي 2022-2026، والتي تسعى إلى الارتقاء بجودة التعلمات وإعادة الاعتبار لقيمة الاستحقاق. وأوضحت أن تفشي الغش لا يضر فقط بمصداقية الشهادات، بل يُضعف دافعية التلاميذ ويُربك آليات التقييم واتخاذ القرار التربوي.
لا تقتصر الخطة الجديدة على الجانب الرقابي، بل تعتمد مقاربة متعددة الأبعاد، تزاوج بين الوقاية والمعالجة. ففي الشق التربوي، سيتم العمل على تقليص نسب التعثر الدراسي عبر ضمان استفادة جميع التلاميذ من الزمن المدرسي الكامل، مع التدخل الفوري لمعالجة الصعوبات الفردية داخل الفصل، وتكثيف حصص الدعم التربوي، فضلاً عن تعزيز التوجيه المدرسي بما ينسجم مع قدرات كل متعلم ومشروعه الشخصي.
كما تولي الوزارة أهمية خاصة للجانب التحسيسي، من خلال تنظيم لقاءات دورية للمجالس التربوية بشراكة مع جمعيات أولياء الأمور، وإطلاق حملات توعوية عبر وسائل الإعلام والأكاديميات الجهوية، للتنبيه إلى مخاطر الغش على المسار الدراسي والقيمي للتلميذ. وتشمل هذه الجهود أيضًا توفير دعم نفسي وتربوي للمترشحين قبل وأثناء الامتحانات، بهدف تعزيز ثقتهم في قدراتهم الذاتية.
وعلى مستوى التنظيم، أقرت الوزارة جملة من التدابير الصارمة، من بينها اختيار مراكز الامتحان من بين مؤسسات التعليم الثانوي بالنسبة للامتحان الإقليمي، مع مراعاة خصوصيات الوسط القروي. كما سيتم تعيين طواقم حراسة خارجية لضمان مزيد من الحياد والصرامة.
أما امتحانات البكالوريا، فستُجرى وفق معايير دقيقة، أبرزها تحديد عدد المترشحين في 20 بكل قاعة، وتخصيص فضاءات خاصة للمستفيدين من تكييف الامتحانات، إلى جانب اعتماد الترقيم السري خلال عملية التصحيح، ومنع الأساتذة من تصحيح أوراق تلاميذ المؤسسات التي يشتغلون بها، بما يعزز مبدأ النزاهة وتكافؤ الفرص.
وفي سياق تشديد المراقبة، سيتم إلزام المترشحين بتسليم هواتفهم قبل الولوج إلى مراكز الامتحان، مع تفعيل لجان محلية وفرق مراقبة متنقلة، إضافة إلى تتبع دقيق من طرف المفتشية العامة للشؤون التربوية لسير الامتحانات وعمليات التصحيح.
كما ستعتمد الوزارة نظامًا إلكترونيًا للتتبع الفوري لنتائج الامتحانات، يمكن من رصد المراكز التي تسجل نسبًا مرتفعة من الغش، واتخاذ إجراءات عاجلة في حقها، فضلاً عن تحليل أنماط الغش المستجدة وتطوير آليات مواجهتها عبر زيارات ميدانية تقييمية.
وتعكس هذه التدابير إرادة واضحة لإعادة بناء الثقة في منظومة الامتحانات، باعتبارها حجر الزاوية في تقييم المكتسبات وضمان جودة مخرجات التعليم. غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينًا بانخراط جماعي لكافة الفاعلين، من أطر تربوية وإدارية، وتلاميذ وأسر، في معركة ترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق داخل المدرسة المغربية.









