لم تكن الانتخابات التشريعية التي جرت في الجزائر يوم 2 يوليوز 2026 حدثًا انتخابيًا عاديًا، بل تحولت إلى محطة أثارت كثيرًا من التساؤلات السياسية، سواء بسبب تأخر الإعلان عن النتائج الرسمية لأكثر من أربع وعشرين ساعة، أو بفعل الجدل الواسع الذي رافق نسب المشاركة، وما حملته من مؤشرات اعتبرها متابعون معبرة عن حجم الفجوة المتزايدة بين السلطة والناخبين.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام صدور النتائج النهائية، انصب اهتمام المراقبين على قراءة الرسائل السياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، وفي مقدمتها العزوف الواسع عن التصويت داخل البلاد وخارجها، ولا سيما في بعض المناطق التي شهدت تاريخيًا مستويات مرتفعة من المقاطعة، من بينها منطقة القبائل.
ووفق الأرقام الأولية التي أعلنها رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، كريم خلفان، بلغت نسبة المشاركة داخل الجزائر 20.79 في المائة عبر 69 ولاية، في حين لم تتجاوز نسبة المشاركة وسط الجالية الجزائرية بالخارج 10.67 في المائة. واكدت مصادر إعلامية اجنبية ،أن النسبة العامة للمشاركة في الانتخابات لم تتعدى 5.5 في المائة، باعتبار القرار الذي اتخذه الشعب بمقاطعة شاملة لانتخابات مزورة مسبقا
وأوضح المسؤول ذاته أن عدد المصوتين داخل الوطن بلغ 4.962.433 ناخبًا من أصل 23.872.756 مسجلًا في اللوائح الانتخابية، بينما بلغ عدد المصوتين بالخارج 91.170 ناخبًا من أصل 854.285 ناخبًا مسجلًا.
غير أن هذه الأرقام لم تنه الجدل، إذ شكك عدد من المتابعين ووسائل إعلام أجنبية في مستوى المشاركة الحقيقي، معتبرين أن الإقبال الفعلي كان أدنى بكثير من النسب المعلنة. وذهبت بعض التقديرات الإعلامية إلى أن نسبة المشاركة قد تكون أقل من ذلك، معتبرة أن المقاطعة كانت السمة الأبرز لهذا الاستحقاق، وهي تقديرات لم تؤكدها السلطات الجزائرية.
وفي قراءتها للمشهد، اعتبرت صحيفة لوموند الفرنسية أن أحزاب السلطة كانت المرشحة الأوفر حظًا للفوز، في ظل غياب منافسة سياسية حقيقية وضعف الحماس الشعبي. كما وصفت أجواء الحملة الانتخابية بأنها من أكثر الحملات فتورًا منذ إقرار التعددية الحزبية سنة 1988.
وأضافت الصحيفة أن التجول في شوارع العاصمة الجزائرية لم يكن يوحي بقرب موعد الانتخابات، حيث بدت اللوحات الانتخابية قليلة أو تعرض بعضها للتخريب، فيما نظمت تجمعات انتخابية بحضور محدود، وهو ما اعتبرته انعكاسًا لحالة من اللامبالاة السياسية وفقدان الثقة في جدوى العملية الانتخابية.
ورأت الصحيفة أن الخطاب المتفائل الذي روجت له بعض وسائل الإعلام المقربة من السلطة، والمتحدث عن حيوية الحملة وكثافة الأنشطة الانتخابية، لم ينجح في إخفاء مظاهر العزوف التي كانت واضحة في مختلف مراحل الاستحقاق.
كما أشارت إلى أن تزامن الانتخابات مع الاهتمام الشعبي بكرة القدم لا يفسر وحده ضعف المشاركة، معتبرة أن الأحزاب الموالية للرئيس عبد المجيد تبون كانت تدرك مسبقًا أن انخفاض نسبة التصويت قد ينعكس على صورة الانتخابات ومشروعيتها، لذلك كثفت خلال الأيام الأخيرة من الحملة دعواتها للمواطنين للتوجه إلى صناديق الاقتراع.
ويرى محللون أن انخفاض نسبة المشاركة، سواء وفق الأرقام الرسمية أو وفق التقديرات التي تداولتها بعض وسائل الإعلام، يعكس استمرار أزمة الثقة بين جزء من الناخبين والمؤسسات السياسية، ويعبر عن قناعة لدى فئات واسعة بأن الانتخابات التشريعية لم تعد قادرة، في نظرها، على إحداث التغيير المنتظر أو التأثير في موازين القرار السياسي.
كما اعتبر بعض المراقبين أن فتور الحملة الانتخابية، وضعف الحضور الجماهيري، وتأخر إعلان النتائج، كلها عوامل ستظل محل نقاش سياسي خلال المرحلة المقبلة، لما تحمله من دلالات بشأن طبيعة المشهد السياسي الجزائري ومستوى المشاركة الشعبية في الاستحقاقات الانتخابية.
وبين الأرقام الرسمية والقراءات المعارضة لها، يبقى الثابت أن تشريعيات 2026 أعادت إلى الواجهة سؤال الشرعية السياسية ومستقبل المشاركة الانتخابية في الجزائر، في وقت تبدو فيه الحاجة ملحة إلى استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات، باعتبارها أحد أهم مقومات أي مسار ديمقراطي









