مستجدات

تشغيل الأطفال: دوافع الظاهرة والإطار القانوني المخصص لحمايتهم

[TOUTES LES ACTUALITÉS]30 يناير 2024
تشغيل الأطفال: دوافع الظاهرة والإطار القانوني المخصص لحمايتهم

يعد موضوع تشغيل الأطفال من المواضيع المعقدة التي تشغل بال الرأي العام الدولي والوطني لكونه يهم مستقبل أبرز الشرائح داخل المجتمع، ألا وهي شريحة الأطفال الذين هم نساء ورجال المستقبل والرأسمال الأساسي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لكل بلد، ومن تم فقد بات لزاما علينا البحث عن أسباب و دوافع استفحال هذه الظاهرة.

وهذه الظاهرة ليست بالظاهرة الجديدة في عالمنا، بل عرفتها المجتمعات من القدم لأسباب متداخلة، حيث يعد الفقر والحاجة من بين دواعي تشغيل الأطفال، فالكثير من الأسر تدفع إلى تشغيل أبنائها في سن مبكرة، من أجل توفير لقمة العيش، وهذه شهادات مجموعة من نزيلات مركزي حماية الطفولة بالدار البيضاء تقول خديجة “إن ما تعيشه أسرتي من فقر مدقع دفع بأبي إلى أن يدفع بي وإخوتي إلى الاشتغال في سن 7 سنوات” والجهل والأمية عامل ودافع آخر لاستفحال هذه الظاهرة، لكون الأسر التي تتصف بهذه الخاصية السلبية لا تحرص على تعليم أبنائها، لأنه لا فائدة في تعليمهم حسب نظرها، وإلى جانب هذين العاملين هناك العامل الثقافي المترسب في بعض فئات المجتمع التي ترى بأن التحاق الطفل بحرفة ما يضمن له الاعتماد على نفسه عندما يصبح يافعا، وهذا ما يجد تفسيرا أوسع في نظرية القرار الأسري”، حيث تشير هذه النظرية إلى أن الطفل مسلوب الإرادة، ولا يستطيع تقرير مصيره بنفسه، وبناء على ذلك، فإن الأبوين يقرران عنه بما يتوافق مع مصالحهما ويخدم ويحقق رغباتهما، وبالموازاة مع ذلك نجد السبب المتمثل في قلة المدارس وارتفاع تكاليف الدراسة، فعدم وجود المدارس في المناطق القروية يدفع الأسر إلى الامتناع عن تعليم أبنائها خاصة عندما يتجاوز الطفل المستوى الابتدائي، وارتفاع تكاليف الدراسة يشجع على دفع الأسر بأبنائها إلى عالم الشغل بكل سلبياته. حقا إن المشرع المغربي أصدر منذ 13 نونبر 1963 ظهيرا متعلقا بإلزامية التعليم الأساسي الذي يقضي بإجبارية التعليم الابتدائي للأطفال المغاربة ذكورا وإناثا ما بين سبع سنوات وثلاثة عشر سنة، والذي عمل على تعديله بمقتضى الظهير المؤرخ في 19 ماي 2000، حيث بمقتضاه أصبح التمدرس إجباريا ما بين ست سنوات إلى غاية خمسة عشر سنة، وأن الدولة تلتـزم بتوفيره لهم مجانا في أقرب مؤسسة تعليمية عمومية لمكان إقامته، فإنه مع ذلك يبقى العامل الأول المتمثل في الفقر  كفيل بجعل الآباء يحجمون عن تعليم أبنائهم لسبب بديهي يتمثل في ارتفاع تكاليف ومتطلبات الدراسة، وبارتباط مع هذه الأسباب هناك السبب الاقتصادي المتمثل في تدهور الاقتصاد وانتشار التضخم وارتفاع مستوى الأسعار وتفاقم المديونية وانعكاس كل ذلك على مختلف القطاعات بما فيها الطفولة نظرا لتحويل الحكومات جزء من خدماتها الأساسية لسد العجز، وبخصوص العامل الاجتماعي، فيصعب النظر إليه من جانب واحد لتعدده من جهة وتداخله من جهة أخرى، نذكر من ذلك الاعتقاد السائد لدى كثير من الأسر بعدم جدوى التعليم لسوء البرامج التعليمية، وعقم المناهج الدراسية وخلوها من التحفيز على الإبداع ورعاية المبدعين وافتقار المدرسين إلى الأساليب الحديثة التي تحث على التفكير بدلا من التلقين الذي يقتل ملكة الإبداع عند الطفل، ثم عدم وعي بعض الأسر لأبسط حقوق أطفالها . وبالإضافة إلى كل ما سبق فإن هناك عوامل وأسباب أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها تتمثل في تشجيع المشغلين لظاهرة تشغيل الأطفال، لعدة عوامل نذكر منها : قلة أجور القاصرين، الطاعة العمياء، عدم شمولهم بالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي، سهولة الاستغناء عنهم، عدم امتناعهم عن الشغل لساعات طوال، وعدم مشاركتهم في نزاعات الشغل . كذلك هناك أسباب مماثلة تشجع على تشغيل الأطفال تتجلى في إنجاب الأسرة الواحدة لأكثر عدد من الأطفال، انتشار ظاهرة الزواج المبكر في بعض المجتمعات الشيء الذي يزج بالطفل في عالم الشغل ويجعله يتكبد نفقات الزواج، انتشار ظاهرة الثأر في بعض البلدان يجعل الطفل يعيش في اضطراب نفسي لا يستطيع معه التركيز في دراسته وتعليمه، مما يجعله يتخلى عن الدراسة ويلج عالم الشغل، أضف إلى ذلك انتشار المنظمات المتاجرة في الأطفال وعدم الاستقرار السياسي في بعض الدول والحروب الأهلية والتفكك العائلي وانفصال الأبوين نتيجة طلاق أو بدونه وفقدان معيل الأسرة . دون أن ننسى عامل النزوح الى المدينة ، إذ أن هذه الأخيرة لم تؤهل نفسها لاستقبال هؤلاء المهاجرين و أطفالهم و لم توفر لهم أبسط شروط العيش، متى علمنا يقينا أن جلّ المدن تفتقر إلى المؤهلات لمواجهة وتيرة التحضر، مما جعل عريضة من الوافدين على المدينة تعيش أوضاعا صعبة لأنها أصبحت تعاني من ضعف دينامية خلق فرص الشغل بهذه المدن، وبالتالي يظل الطفل الضحية الأولى للزوج الجهنمي المتمثل في التحضر و التفقير. وبهذا تكون ظاهرة الهجرة قد ساهمت في تركيز التنظيمات الاجتماعية التي تتكون من الأسر وأطفالهم قرب الأوراش المهنية والتي ترتبت عنها استراتيجيات للعيش، حولّت الهدف من الشغل لدى الأسر من رغبة في تحقيق الذات بالوسط الحضري الجديد إلى وسيلة للبقاء  والكسب. 

لقد صادق المغرب على مجموعة من الاتفاقيات، من بينها تلك التي تهتم بتنظيم تشغيل الأطفال، لهذا حرص على ملائمة قوانينه الوطنية معها، حيث جاءت مدونة الشغل بمقتضيات قانونية تحمي الطفل العامل.

لهذا أصبحت ضرورة وضع تنظيم قانوني لاحتواء الظاهرة أمر لا محيد عنه ابتداء من ظهير 13 يوليوز 1926 المتعلق بنظام الشغل، والذي تضمن مقتضيات خاصة بتشغيل الأطفال، هذا الظهير الذي عدل بظهير 02 يوليوز 1947 المتعلق بسن ضابط الخدمة والعمل في المجال الصناعي والتجاري والمهن الحرة، والذي خصص بعض مقتضياته لتنظيم تشغيل الأطفال، فالقرار الوزاري المؤرخ في 30 شتنبر 1950 الذي حدد مختلف أنواع الأشغال المسموح بتشغيل الأطفال فيها، ثم المرسوم المؤرخ في 04 يوليوز 1957 الذي منع تشغيل الأطفال البالغين أقل من ثماني عشر سنة في مخازن التبريد، والذي تلاه ظهير 24 دجنبر 1960 المتعلق بالأعمال المنجمية المنجزة في باطن الأرض كما وقع تعديله، والذي استتبعه تعديل ظهير 25 يونيو 1927 المتعلق بحوادث الشغل والأمراض المهنية الذي غير من حيث الشكل فقط بظهير 6 يونيو 1963، هذا الأخير الذي تضمن مقتضيات تخص كيفية تحديد التعويض اليومي والإيراد الممنوح للأجير القاصر في حالة تعرضه لحادثة شغل أو مرض مهني. وفي المجال الفلاحي صدر ظهير 09  أبريل 1958 بشأن استخدام الأجراء الفلاحيين الذي تضمن مقتضيات تحظر تشغيل الأطفال البالغين أقل من اثني عشر سنة هذا الأخير الذي عدل بظهير 24 أبريل 1973 المتعلق بشروط تشغيل المأجورين الفلاحيين وأداء أجورهم.

وبمصادقة المغرب على الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل سنة 1993 أصدر المشرع القانون رقم 99\65 بمثابة مدونة الشغل بتاريخ 08 دجنبر 2003 التي دخلت حيز التنفيذ في 8 يونيو 2004

ورغم إصدار هذه القوانين لازال الأوراش والمحلات التجارية   بمدن المغرب تعرف عدة خروقات في تشغيل الأطفال وانتزاع حقوقهم المادية .

الاخبار العاجلة