الصحافة، التي وُلدت لتكون سلطة رابعة وضميرًا حيًا، لم تعد اليوم سوى ظلٍّ باهت لذاتها. لقد تخلّت كثير من المؤسسات الإعلامية عن رسالتها النبيلة، وارتضت أن تتحول إلى أدوات في يد السوق والسلطة، تُلمّع الوجوه وتُطبع مع الفساد، بينما تتخلى عن دورها الحقيقي في حماية الصالح العام.
في زمن تتقاذفه الأزمات الاجتماعية والسياسية، اختارت وسائل الإعلام الكبرى الارتماء في حضن “الترند” والإعلانات، بدل مواجهة الفساد والاستبداد. الصحافي، الذي كان يفترض أن يكون سيفًا مسلطًا على رقاب المتلاعبين بمصير الناس، أُجبر أو استسلم ليصبح مجرد موظف في ماكينة التزييف، يكتب ما يُطلب لا ما يجب. وهكذا تحولت الصحافة إلى شريك صامت—بل متواطئ—في تكريس الرداءة وإشاعة الإحباط.
المسؤولية هنا واضحة ومباشرة: المؤسسات الإعلامية باعت استقلاليتها في سوق الإعلانات، والسلطة وجدت في ذلك فرصة لتكميم الأفواه دون الحاجة إلى مقصّ رقابة مباشر. بهذا التحالف غير المعلن، يُصنع إعلام يُسخّر لإلهاء المواطنين بدل تنويرهم، ويُحوّل الرأي العام إلى جمهور مستهلك للفرجة والتفاهة، بدل أن يكون قوة ضاغطة للمساءلة والتغيير.
لكن الكارثة الأكبر أن هذا الانحدار لم يعد مجرد أزمة مهنية، بل أصبح تهديدًا لمستقبل المجتمع نفسه. حين تصمت الصحافة عن العبث وتتهرّب من الأسئلة المزعجة، فإنها لا تكتفي بخيانة رسالتها، بل تُشارك في صناعة واقعٍ مظلم، حيث تملأ الإشاعة فراغ الحقيقة، ويُستبدل الصحافي بالمؤثر، ويُصبح “الترند” أهم من المعلومة.
إن إعادة الاعتبار للصحافة ليست ترفًا ولا خيارًا ثانويًا، بل ضرورة مصيرية. على المؤسسات الإعلامية أن تُحاسب قبل غيرها، وعلى السلطة أن تدرك أن إعلامًا خاضعًا قد يحقق لها صمتًا مرحليًا، لكنه سيدفن معها أي إمكانية لبناء وعي جماعي أو تنمية حقيقية.
فالصحافة التي لا تُزعج السلطة ولا تُغضب السوق ليست صحافة. إنها خيانة مكتملة الأركان.











