مستجدات

رسالة إلى الهاتف النقال… أيها القاتل اللطيف

[TOUTES LES ACTUALITÉS]8 ديسمبر 2025
رسالة إلى الهاتف النقال… أيها القاتل اللطيف

هاشــم الخياطــي
يا أيها الهاتف النقال، يا أعجوبة العصر التي جاءت لتسهّل الحياة… ثم جلست على صدرها حتى اختنقت!
نعم، أنت. لا تلتفت خلفك. أعلم أنك الآن يومض ضوؤك كأنك بريء من كل الجرائم التي ترتكبها كل دقيقة.
لقد صرتَ مثل زائر ثقيل لا يغادر، يقتحم غرفنا، موائدنا، وحتى رؤوسنا. تشدّنا إليك بحبل الإشعارات، وتسرق من جيوبنا الساعات، كما يسرق اللص المحترف دون أن يترك أثراً… إلا آثار التعب وتشتت التركيز.
يا هذا الكائن الصغير الذي يتظاهر بالبراءة، بينما يمارس في الخفاء هوايته المفضلة: اغتيال الوقت، واغتيال من يستخدمه.
أيها الهاتف… يا صاحب الوجه اللامع والقلب المظلم،
كم أنت بارع في اصطياد البشر!
تخطفهم كما تُخطف الفراشات نحو الضوء، ثم تحبسهم داخل شاشتك، لا يخرجون إلا منهكين، فاشلين، أو نادمين.
أيها الهاتف التافه، كم من حوار بين زوجين فسدته لأجل محادثة مع مجهول أو مجهولة، وكم من أيام غالية مع الأسرة والأبناء أُهدرت لأجل متابعة فعاليات تافهة، وأخبار سقيمة، وملاحقة وسائل التواصل التي يقطع الإسراف فيها ما يجب وصله.
أيها الهاتف الذي لا يهتف بشيء ، جعلت العلاقة بين الزوجين متوترة في غالب الأحيان وربما أفضت إلى الطلاق وتشريد الأطفال.
لقد كنتَ مجرد وسيلة اتصال… ثم تحوّلت إلى سيد، والناس صاروا عبيداً يطيعون رنينك واهتزازك ووميضك… كأنك جرس مدرسة يدير حياة كوكب كامل.
أيها الغبي المزعج ، يبحث الناس عبرك عن التواصل فيزدادون انقطاعا، يشاركون لحظاتهم وأفكارهم وصورهم مع البعيدين، ولكن الوحدة تنهشهم أكثر فأكثر؛ وذلك لخسارتهم الصلات الفعلية الحقيقية، الافتراضي يطغى على الواقعي ويهمشه هل فهمت زلاتك وما أكثرها.
أنت لا تقتل الوقت فقط، بل تشويه جثته أيضاً فكم من بيت شب فيه حريق بسببك وأتيت على الأخضر واليابس، وربما إزهاق الأرواح بسببك أيها اللعين الظريف.
تصنع من الساعات دقائق، ومن الأيام غباراً يتطاير بلا أثر.
تجعل الإنسان يجلس دقائق “فقط ليرى شيئاً”، ثم يكتشف أنه ضيّع نصف يومه في التنقل بين صور واهية وحكايات فارغة وأخبار زائفة .
سرقتَ الهدوء، وسرقتَ النوم، وسرقتَ العلاقات، حتى صارت الجلسات العائلية تشبه دوريات شرطة… كل واحد يراقب شاشة الآخر بصمت.
كم أنت محترف محتال .
تقدّم نفسك كرفيق، بينما أنت في الحقيقة لصّ يضع قناع التكنولوجيا.
تتظاهر بالخدمة، بينما أنت تخدم نفسك، تكبُر وتتمدّد في أعصاب الناس، حتى صار البعض يلمس جيبه كل دقيقة ليتأكد أنك ما زلت هناك… كأنك جهاز تنفّس.
أعترف:
لستَ أنت المشكلة… نحن المشكلة.
لكن ما دمتَ موجوداً بهذا الشكل، فلن يبقى من الإنسان إلا قشرة تمسكك بيدها، بينما أنت تمسك عقلها وروحها وجيوبها.
فأهنئك يا قاتل الصمت، يا عدوّ التركيز، يا هدّام العلاقات…
لقد ربحتَ المعركة.
والخاسر الوحيد هو الإنسان الذي صدّق أنك “اختراع لخدمته”.
أهنّئك!
نجحتَ حيث فشل الكثيرون.
قضيتَ على الجلسات العائلية، وحولت الناس إلى رؤوس مطأطأة، كل منهم يعبد شاشة لا تتجاوز ست سنتيمترات.
جعلتَ الأصدقاء يجتمعون… فقط ليصمتوا.
وجعلت الوقت يمشي بسرعة، كأنه يهرب منك خوفاً أن تلتهمه أنت أيضاً.
حتى أفكار الإنسان أصبحت عندك إقامة دائمة.
فمنذ أن وصلت، صرنا نفكر في ما تنشره لنا، بدل التفكير في حياتنا الواقعية.
صرنا نفتح أعيننا عليك قبل أن نفتحها على الشمس، ونسلّم عليك قبل أن نلقي السلام على أهل البيت.
ومع ذلك، لا تزال تبتسم ماكرًا تحت قناع “أنا مجرد أداة”… بينما أنت في الحقيقة آلة طحن صامتة، تطحن الوقت، والانتباه، وأحياناً أحلام الناس ، وتقتل الأشخاص في حوادث السير .
يا هاتف بدون هتاف.
نحن لا نكرهك… ولكننا نكره أنفسنا عندما نصير خدماً لزرّ الإضاءة الخاص بك.
فلديك قدرة سحرية: تجعل الإنسان يظن أنه يستخدمك… بينما أنت من يستخدمه.
فشكرًا لك،
لأنك جئت لتُسهّل حياتنا،
ثم سهّلت علينا أيضاً… إضاعة حياتنا.

الاخبار العاجلة