ما إن أعلنت شركات المحروقات، مساء الأحد، عن زيادات جديدة في أسعار الغازوال والبنزين، حتى تحولت محطات الوقود في مختلف المدن إلى نقاط ازدحام غير مسبوق، حيث سارع المواطنون إلى ملء خزانات سياراتهم قبل دخول التسعيرة الجديدة حيز التنفيذ. هذا الإقبال الكثيف خلق حالة من الفوضى، امتدت إلى محيط بعض المحطات، متسببة في إغلاق طرقات وعرقلة السير، الأمر الذي استدعى تدخل السلطات الأمنية لتنظيم الوضع.
وفي خضم هذا الارتباك، عمد عدد من أرباب المحطات إلى تطبيق الزيادة قبل موعدها الرسمي بساعات، مستغلين حالة الطلب المرتفع، حيث تراوحت الزيادات بين درهم ونصف ودرهمين، وهو ما أعاد إلى الواجهة إشكالية “الفوضى” التي تطبع هذا القطاع، خاصة في غياب رقابة صارمة.
الزيادة المفاجئة خلفت موجة استياء واسعة في صفوف المواطنين، الذين اعتبروا أن هذا الارتفاع المباغت يثقل كاهلهم بشكل مباشر عند التزود بالوقود، كما ستكون له انعكاسات غير مباشرة على القدرة الشرائية، نتيجة ارتفاع كلفة النقل وما يستتبعه من زيادات مرتقبة في أسعار السلع والخدمات، في ظل ما يصفونه بضعف آليات المراقبة والردع.
يثير توقيت الزيادة الكثير من علامات الاستفهام، خصوصا أنها جاءت قبل استنفاد المخزون القانوني المفروض على الشركات، والذي يفترض أن يغطي شهرين من الاستهلاك. ويرى متتبعون أن هذا الوضع يطرح احتمالين: إما بيع مخزون تم اقتناؤه بأسعار منخفضة وفق تسعيرة مرتفعة، أو عدم احترام مستوى المخزون الإلزامي، أو الجمع بين الأمرين معا.
وتعزز هذه الشكوك مع تكرار مشاهد نقص التزود خلال الأزمات، كما حدث قبل أسابيع عندما أدت اضطرابات بحرية إلى عرقلة تفريغ شحنات النفط، ما تسبب في توقف عدد من المحطات عن العمل، وهو ما كشف محدودية المخزون الفعلي مقارنة بما ينص عليه القانون، رغم تطمينات الجهات الرسمية.
من جهة أخرى، تعود إلى الواجهة مسألة “ازدواجية المعايير” في تحديد الأسعار، إذ تبادر الشركات إلى الرفع الفوري للأسعار عند صعود النفط في الأسواق الدولية، لكنها تتريث أو تتجاهل التخفيض عند تراجعها، وهو ما سبق أن نبه إليه فاعلون اقتصاديون ونقابيون، إلى جانب تقارير رسمية.
هذا الوضع يطرح مفارقة واضحة: المواطن يؤدي ثمن الزيادات بسرعة، لكنه لا يستفيد بالوتيرة نفسها من الانخفاضات، في ظل تبريرات مرتبطة بالمخزون، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى شفافية آليات التسعير وعدالتها.
دعوات للمحاسبة وإعادة التوازن للسوق
في ظل هذه التطورات، تتعالى الأصوات المطالبة بتشديد الرقابة الميدانية بدل الاكتفاء بالتقارير، خاصة مع استمرار الغموض حول الحجم الحقيقي للمخزون الطاقي، واستمرار إغلاق مصفاة “لاسامير” التي كانت تشكل ركيزة أساسية في منظومة الأمن الطاقي الوطني.
كما يدعو متتبعون إلى توضيح آليات تحديد الأسعار، ووضع حد لازدواجية المعايير، إلى جانب تفعيل إجراءات زجرية صارمة لضمان احترام قواعد التخزين والشفافية، بما يكفل حماية المستهلك وإعادة التوازن بين مصالح الشركات وحق المواطن في الولوج إلى الطاقة بأسعار عادلة.










