المرحلة الانتقالية تضع إصلاح التكوين الطبي أمام اختبار جديد
تتجه أزمة طلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان نحو مرحلة جديدة من التوتر، بعدما لوّحت اللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة بإمكانية استئناف الاحتجاجات مع انطلاق الموسم الجامعي المقبل، محذرة من استمرار ما وصفته بـ«الغموض» في تدبير المرحلة الانتقالية التي تواكب تنزيل إصلاح منظومة التكوين الطبي والصيدلي.
وقالت اللجنة، في بيان لها، إن مرور نحو سنتين على نهاية الحراك الطلابي السابق لم يؤد، من وجهة نظرها، إلى إغلاق جميع الملفات التي كانت وراء الاحتجاجات، مؤكدة أن استمرار الصمت أو تأجيل معالجة الإشكالات القائمة لا يمكن أن يكون خياراً عندما يتعلق الأمر بمستقبل التكوين وجودته.
وتعود جذور الأزمة إلى دجنبر 2023، حين دخل طلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان في إضراب ومقاطعة للدروس والامتحانات استمرا لأكثر من عشرة أشهر، تخللتهما وقفات احتجاجية واعتصامات، قبل أن تنتهي الأزمة في نونبر 2024 بالتوصل إلى اتفاق مع الحكومة، في إطار محضر تسوية أشرفت عليه مؤسسة وسيط المملكة.
وكان قرار تقليص مدة التكوين من سبع سنوات إلى ست سنوات من أبرز نقاط الخلاف آنذاك، إلى جانب ملفات أخرى همّت التداريب السريرية والامتحانات وظروف الدراسة والبنيات والتجهيزات، وهي ملفات تقول اللجنة إن جزءاً منها لا يزال مطروحاً، خصوصاً مع الانتقال إلى النظام الجديد.
وترى اللجنة الوطنية أن المرحلة الانتقالية الحالية تطرح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة منظومة التكوين الجديدة على ضمان اكتساب الطلبة للكفايات والمعارف الضرورية، خاصة في ظل تقليص مدة التداريب الاستشفائية بالنسبة للطبيب الخارجي من ثلاث سنوات إلى سنتين.
وبحسب اللجنة، فإن أي إصلاح للتكوين الطبي ينبغي ألا يقتصر على تغيير عدد سنوات الدراسة، بل يجب أن يواكبه توفير الشروط البيداغوجية والاستشفائية الكفيلة بضمان تكوين ذي جودة، خصوصاً في ظل الارتفاع المستمر في أعداد الطلبة.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع تداخل دفعات 2023 و2024، الأمر الذي يطرح، وفق المصدر نفسه، تساؤلات حول قدرة الكليات والمستشفيات الجامعية على توفير أماكن كافية للتداريب السريرية لجميع الطلبة، بشكل متوازن ودون التأثير على جودة التكوين.
ومن بين الملفات التي تطالب اللجنة بحسمها وضعية طلبة دفعة 2023، معتبرة أن تعدد الوحدات التي قد يكون بعض الطلبة مطالبين باستدراكها أو إعادة اجتيازها يستدعي اعتماد إطار انتقالي استثنائي وواضح.
وتؤكد اللجنة أن غياب رؤية موحدة بشأن هذه الوضعية قد يفتح الباب أمام تفاوت في معالجة الملفات بين المؤسسات، وهو ما يستدعي، بحسبها، تحديد قواعد واضحة تضمن الحقوق الأكاديمية للطلبة وتمنع استمرار حالة عدم اليقين.
وفي هذا السياق، أعلنت المكاتب والمجالس المحلية التابعة للجنة شروعها في مراسلة عمداء كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة من أجل عقد اجتماعات عاجلة، ومناقشة مختلف الملفات العالقة، أملاً في الوصول إلى تصور موحد لتدبير المرحلة الانتقالية.
وتشدد اللجنة على أن مسؤولية إنجاح هذه المرحلة تقع على عاتق المؤسسات والجهات المعنية، وأن أي نقص في التنسيق بينها لا ينبغي أن يتحول إلى عبء أكاديمي يتحمله الطلبة.
ولم تستثن اللجنة مسالك الصيدلة من انتقاداتها، إذ تحدثت عن استمرار صعوبات مرتبطة بالتكوين، في ظل ارتفاع أعداد الطلبة مقابل محدودية بعض البنيات، لاسيما المدرجات وقاعات الأشغال التطبيقية والمختبرات وفضاءات التدريب.
أما في ما يتعلق بطلبة طب الأسنان، فأشارت اللجنة إلى أن الارتفاع المتواصل في أعداد الطلبة يفرض بدوره تحديات كبيرة على مستوى التداريب الاستشفائية، خصوصاً في الكليات التي لا تتوفر على مراكز استشفائية متخصصة بالقدر الكافي.
كما أثارت اللجنة مسألة تحمل الطلبة تكاليف بعض المواد والتجهيزات الضرورية لعلاج المرضى، معتبرة أن معالجة هذه الإشكالات تظل جزءاً أساسياً من توفير شروط تكوين ملائمة.
وفي ملف آخر، عبّرت اللجنة الوطنية عن قلقها إزاء ما تم تداوله بشأن مزاعم وجود تسريبات مرتبطة بالمباراة المشتركة لولوج كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان.
وأكدت اللجنة أنها لا ترغب في استباق نتائج أي تحقيق أو إصدار أحكام مسبقة قبل التحقق من المعطيات، لكنها طالبت وزارة التعليم العالي بعقد اجتماع عاجل لتوضيح ملابسات القضية، مشيرة إلى أنها سبق أن راسلت الوزارة في هذا الشأن دون أن تتوصل، بحسب بيانها، بأي جواب إلى حدود تاريخ صدوره.
ويضع هذا الملف بدوره مسألة الشفافية وتكافؤ الفرص في مباريات الولوج إلى التكوين الطبي أمام واجهة النقاش، في انتظار ما قد تكشف عنه الجهات المختصة من معطيات ونتائج بشأن هذه المزاعم.
وتتمحور مطالب الطلبة، في مجملها، حول توضيح آليات تدبير التداريب السريرية، ومعالجة إشكالية تداخل الدفعات، واستيعاب الأعداد المتزايدة، وضمان جودة التكوين، وتسوية وضعية الطلبة المعيدين، فضلاً عن ضمان شروط النزاهة والشفافية في مباريات الولوج.
وترى اللجنة أن الاتفاق الذي أنهى الحراك الطلابي السابق لا ينبغي أن يتحول إلى محطة مغلقة بمجرد توقف الاحتجاجات، بل يجب أن يشكل أرضية لاستمرار الحوار ومواكبة تنزيل الإصلاح ومعالجة الاختلالات التي قد تظهر خلال المرحلة الانتقالية.
وبينما تؤكد اللجنة استعدادها لمواصلة الحوار مع المؤسسات المعنية، فإن تلويحها بإمكانية استئناف الاحتجاجات مع بداية الموسم الجامعي المقبل يبعث برسالة واضحة مفادها أن ملف التكوين الطبي لم يُغلق نهائياً، وأن الهدوء الذي أعقب اتفاق نونبر 2024 يظل رهيناً بمدى قدرة مختلف الأطراف على تقديم أجوبة عملية وواضحة.
ويبقى الرهان الأكبر أمام وزارة التعليم العالي والجهات الوصية هو تحويل المرحلة الانتقالية من مصدر للقلق والجدل إلى فرصة لترسيخ إصلاح واضح ومستقر، يوازن بين متطلبات تحديث التكوين الطبي والصيدلي وبين ضمان حقوق الطلبة وجودة تكوينهم.
وفي ظل هذا الوضع، تدعو اللجنة إلى فتح حوار عاجل وجاد، وتقديم أجوبة واضحة وملزمة بشأن الملفات المطروحة، محذرة من أن مستقبل التكوين الطبي والصيدلي لا يحتمل، بحسبها، مزيداً من الغموض أو التأجيل، وأن معالجة الإشكالات قبل بداية الموسم الجامعي قد تكون الطريق الأقصر لتفادي عودة الاحتقان إلى الكليات من جديد.







