هل أصبح الاحتفاظ بالمنصب أقوى من تقييم الحصيلة؟
المرحلة الجديدة.. فرصة للحوار أم بداية جولة جديدة من التوتر؟
احتفاظ عبد اللطيف وهبي بحقيبة العدل يفتح باب التساؤلات حول معايير اختيار الوزراء، ويضع الحكومة الجديدة أمام اختبار صعب في تدبير علاقتها بالمحامين وإنهاء الخلافات التي فجّرها قانون المهنة.
لم تكن عودة عبد اللطيف وهبي إلى وزارة العدل مجرد تفصيل عابر في تركيبة الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، بل قراراً سياسياً يستحق التوقف عنده، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي راكمها الرجل خلال تجربته السابقة، وفي مقدمتها علاقته المتوترة بهيئات المحامين، والجدل الذي رافق إصلاح عدد من النصوص القانونية المرتبطة بمنظومة العدالة.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه متتبعون للشأن السياسي والمهني أن تحمل التشكيلة الحكومية الجديدة أسماء جديدة على رأس بعض القطاعات الحساسة، جاء الاحتفاظ بوهبي في وزارة العدل ليطرح سؤالاً مباشراً: لماذا وهبي بالضبط؟ ولماذا لم تُسند هذه الحقيبة إلى شخصية أخرى قادرة على فتح صفحة جديدة مع الجسم القضائي والمهني؟
إن السؤال هنا لا يتعلق بشخص الوزير وحده، ولا ينتقص من حق أي حزب في اقتراح الأسماء التي يراها مناسبة لتدبير القطاعات الحكومية، وإنما يرتبط أساساً بالحصيلة السياسية والمهنية، وبمدى قدرة المسؤول على تجاوز الخلافات السابقة وبناء توافقات ضرورية حول إصلاح العدالة، وهي ورشة لا تحتمل منطق فرض الأمر الواقع أو تدبير الملفات بمنطق المواجهة.
في التجارب الحكومية المتعاقبة، ظلت حقيبة العدل من أكثر المناصب حساسية، بالنظر إلى ارتباطها باستقلال القضاء، وضمان الحقوق والحريات، وتنظيم المهن القانونية، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات. ولذلك، فإن استمرار الوزير نفسه في هذا القطاع يقتضي، من الناحية السياسية، تقديم ما يبرر هذا الاختيار، خصوصاً عندما تكون بعض الملفات التي أشرف عليها قد أثارت اعتراضات واسعة في أوساط مهنية معنية مباشرة بتطبيق القانون.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل جاء تجديد الثقة في وهبي اعترافاً بحصيلة اعتبرتها الأغلبية الحكومية إيجابية، أم أن الأمر يرتبط بحسابات سياسية وحزبية تتجاوز طبيعة العلاقة التي نسجتها الوزارة مع الهيئات المهنية؟
لا يمكن الجزم بدوافع القرار من دون معطيات واضحة، لكن من المشروع مطالبة الحكومة بتوضيح منطق اختياراتها، لأن المسؤولية السياسية لا تُختزل في توزيع الحقائب بين الأحزاب، بل تشمل أيضاً القدرة على تقييم الأداء، وتصحيح الاختلالات، واختيار الشخص المناسب للمرحلة المناسبة.
فالوزارات ليست ملكيات شخصية، والحقائب الحكومية ليست امتيازات دائمة، بل مسؤوليات يفترض أن تخضع للمحاسبة السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاع يرتبط مباشرة بحقوق المواطنين وبحسن سير العدالة.
إذا كان استمرار وهبي في وزارة العدل يمثل اختباراً جديداً للمحامين، فإن الامتحان الأكبر يقع على عاتق الوزير نفسه. فالعلاقة التي شهدت توتراً على خلفية القانون المنظم لمهنة المحاماة لا يمكن أن تعود إلى طبيعتها بمجرد الإعلان عن حكومة جديدة أو تغيير بعض الوجوه في مواقع أخرى.
لقد أظهر الخلاف حول هذا القانون أن إصلاح المهن القانونية لا يمكن أن ينجح بالاعتماد على المقاربة التشريعية وحدها، مهما كانت مبرراتها، بل يحتاج إلى حوار مؤسساتي جاد مع الهيئات المهنية، وإلى الإنصات للاعتراضات التي تمس، في نظر أصحابها، استقلالية المهنة وضمانات ممارستها.
وإذا كان من حق الوزارة الدفاع عن اختياراتها التشريعية، فمن حق المحامين أيضاً مناقشة المقتضيات التي يرون أنها تمس بمكانة الدفاع أو باستقلاليته، في إطار القانون والمؤسسات. فالمحاماة ليست مجرد مهنة إدارية تخضع لتدبير قطاع حكومي، وإنما شريك أساسي في تحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة وحماية حقوق المتقاضين.
ومن ثم، فإن استمرار الوزير في منصبه يضعه أمام مسؤولية مضاعفة: إما أن يستثمر هذه الولاية لفتح قنوات الحوار وإعادة بناء الثقة، وإما أن يجد نفسه أمام أزمة متجددة تعيد الملف إلى نقطة الصفر، بما قد يترتب عن ذلك من احتجاجات واضطراب في العلاقة بين الوزارة والهيئات المهنية.
من أبرز الأسئلة التي تفرض نفسها في المرحلة المقبلة، ما إذا كان دخول القانون المنظم لمهنة المحاماة حيز التنفيذ سيغلق باب النقاش حول مقتضياته المثيرة للجدل، أم أن الاحتجاجات المهنية ستعيده إلى واجهة النقاش العمومي.
فالنفاذ القانوني للنص لا يعني بالضرورة انتهاء النقاش السياسي والمهني بشأنه، كما أن الاعتراض على بعض مقتضياته لا يعني تلقائياً إسقاط مشروعيته. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة للحوار المؤسساتي، وتقييم الآثار العملية للقانون، والبحث عن حلول قانونية تحفظ استقرار المنظومة وتحترم في الوقت نفسه استقلالية المحاماة.
والحكمة السياسية تقتضي ألا يتحول الخلاف إلى معركة لإثبات من انتصر ومن انهزم، لأن الرهان الحقيقي ليس تسجيل النقاط بين الوزير والمحامين، وإنما ضمان عدالة أكثر فعالية وإنصافاً، وتفادي أي وضع قد يجعل المواطن الحلقة الأضعف في صراع لا يتحمل مسؤوليته.
فحين تتوتر العلاقة بين وزارة العدل والمحامين، لا تبقى تداعيات الخلاف محصورة داخل المكاتب المهنية أو أروقة المؤسسات، بل يمكن أن تمتد إلى مصالح المتقاضين، وإلى آجال معالجة الملفات، وإلى صورة العدالة لدى الرأي العامفي الداخل وحتى في الخارج.
يبقى السؤال السياسي الأكثر إحراجاً: لماذا لم تتجه الحكومة إلى إسناد وزارة العدل إلى شخصية أخرى، بما يسمح بإعطاء إشارة واضحة إلى الرغبة في تجاوز الخلافات السابقة؟
لا توجد قاعدة تفرض تغيير الوزير لمجرد وجود خلافات مع فئة مهنية، كما أن تغيير الأشخاص لا يضمن بالضرورة تغيير السياسات. لكن تجديد الثقة في مسؤول مثير للجدل بشأن ملف مهني حساس يستدعي، في المقابل، توضيح ما إذا كانت الحكومة تتبنى النهج السابق نفسه، أم أنها تنتظر من الوزير أن يراجع أسلوب تدبيره للملف ويفتح مساراً جديداً للتوافق.
فالمسألة لا تتعلق بالبحث عن بديل لمجرد التغيير، وإنما بمدى قدرة الحكومة على تقديم ضمانات بأن المرحلة المقبلة لن تكون نسخة مكررة من المرحلة السابقة. وإذا كانت فاطمة الزهراء المنصوري وأغلبيتها قد اختارتا الإبقاء على وهبي، فإنهما تتحملان سياسياً جزءاً من مسؤولية نتائج هذا الاختيار، ولا يمكن اختزال الملف في علاقة شخصية بين الوزير والمحامين.
إن استمرار المسؤول في منصبه يمنحه فرصة إضافية لتصحيح المسار، لكنه لا يمنحه صكاً على بياض، ولا يعفيه من ضرورة مراجعة المقاربات التي لم تحقق التوافق المطلوب.
تجد وزارة العدل اليوم نفسها أمام مفترق طرق واضح. فإما أن تجعل من الولاية الحكومية الجديدة مناسبة لإطلاق حوار جاد مع الهيئات المهنية، ومناقشة نقاط الخلاف بواقعية ومسؤولية، والبحث عن مخارج قانونية ومؤسساتية تحفظ هيبة القانون واستقلالية المحاماة، وإما أن يستمر الجمود، بما يفتح الباب أمام عودة الاحتجاجات والتصعيد.
وفي هذا السياق، لا يكفي أن تعلن الوزارة استعدادها للحوار، بل ينبغي أن يظهر ذلك في خطوات عملية، من خلال تحديد الملفات المختلف بشأنها، والاستماع إلى مقترحات الهيئات المهنية، وتقييم الآثار المحتملة للمقتضيات المعترض عليها، والبحث عن تسويات ممكنة في إطار الدستور والقانون.
كما أن على المحامين، من جهتهم، مواصلة الدفاع عن مطالبهم بوسائل مسؤولة تحافظ على حقوق المتقاضين وتجنبهم تحمل كلفة الخلاف، دون أن يعني ذلك التنازل عن حقهم في التعبير عن مواقفهم والدفاع عن استقلالية مهنتهم.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في عودة عبد اللطيف وهبي إلى وزارة العدل بحد ذاتها، بل في ما إذا كانت عودته ستقترن بتغيير حقيقي في طريقة تدبير الملفات الخلافية. فالحكومة التي تجدد الثقة في وزير مثير للجدل مطالبة بأن تفسر للرأي العام ما الذي تنتظره منه في المرحلة المقبلة، والوزير الذي يعود إلى المنصب نفسه مطالب بإثبات أن التجربة السابقة لم تكن مجرد محطة انتهت، بل فرصة لاستخلاص الدروس وتصحيح الاختلالات.
أما المحامون، فهم ليسوا أمام اختبار الصبر وحده، بل أمام سؤال جوهري يتعلق بمستقبل مهنتهم واستقلاليتها. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن المتقاضي هو الطرف الذي يجب ألا يدفع ثمن أي مواجهة جديدة.
فهل اختارت الحكومة وهبي لأنه الأنسب لمواصلة الإصلاح، أم أنها فضّلت الاستمرارية على مراجعة الاختيارات؟ وهل ستكون عودته مدخلاً لتسوية الخلاف مع المحامين، أم أن وزارة العدل مقبلة على فصل جديد من التوتر؟
الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كان الاحتفاظ بالحقيبة قراراً مبنياً على الثقة في الحصيلة، أم فرصة أخيرة لإثبات أن تدبير العدالة يحتاج إلى الحوار بقدر ما يحتاج إلى التشريع والحزم.








