هل يراجع البريطانيون حسابات «بريكست»؟
عادت إمكانية عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي إلى واجهة النقاش السياسي في أوروبا، بعدما وجّه وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور دعوة إلى لندن لاستعادة عضويتها في التكتل الأوروبي متى قرر البريطانيون ذلك، في مؤشر على استعداد باريس لمناقشة صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين، بعد سنوات من خروج المملكة المتحدة من الاتحاد.
وأكد ليسكور، في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، أن قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي كان اختيارا للشعب البريطاني، وأن العودة إليه تظل خيارا متاحا إذا عبّر البريطانيون عن رغبتهم في ذلك. واعتبر أن استعادة العضوية من شأنها أن تمنح لندن فرصة المشاركة مجددا في صياغة القرارات الأوروبية، وتعزيز حضورها في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تعرفها القارة والعالم.
وتأتي هذه التصريحات في سياق نقاش متزايد داخل بريطانيا بشأن حصيلة خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي، المعروف باسم «بريكست»، والذي دخل حيز التنفيذ بعد سنوات من الجدل السياسي والانقسام الشعبي. فقد كان أنصار الانفصال يراهنون على استعادة السيادة الوطنية والتحكم في السياسات التجارية والهجرة، بينما حذّر معارضوه من التداعيات الاقتصادية والتجارية المترتبة عن الابتعاد عن السوق الأوروبية الموحدة.
ويبدو أن تقييم نتائج «بريكست» بات يحتل مساحة أوسع في النقاش العام البريطاني، خصوصا مع استمرار التحديات المرتبطة بالنمو الاقتصادي والاستثمار والتجارة وتكاليف التعامل مع الأسواق الأوروبية. كما تواجه الشركات البريطانية إجراءات إدارية وتجارية إضافية في بعض القطاعات، نتيجة خروج البلاد من الإطار التنظيمي المشترك الذي كان يسهّل المبادلات بين المملكة المتحدة ودول الاتحاد.
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، بشأن استعداد حكومته لدراسة مختلف الخيارات المتاحة لتطوير العلاقة مع بروكسل، اهتماما واسعا في الأوساط السياسية الأوروبية. وتشير المعطيات الواردة بشأن هذا النقاش إلى أن الحكومة البريطانية باتت منفتحة على مراجعة عدد من ترتيبات العلاقة الحالية، في ضوء ما تعتبره تحديات مرتبطة بالوضع الذي أفرزه الانفصال.
وتتراوح الخيارات المطروحة بين الإبقاء على الاتفاقات الحالية، وتعزيز التعاون التجاري مع الاتحاد الأوروبي، والانضمام إلى الاتحاد الجمركي، أو العودة إلى السوق الموحدة، وصولا إلى إعادة فتح النقاش حول العضوية الكاملة. غير أن هذه البدائل تختلف من حيث الالتزامات السياسية والاقتصادية التي تفرضها، كما أن لكل منها انعكاسات على قدرة بريطانيا على تحديد سياساتها التجارية والتنظيمية بصورة مستقلة.
فالعودة إلى الاتحاد الجمركي، على سبيل المثال، يمكن أن تسهم في تقليص بعض الحواجز التجارية، لكنها لا تعني بالضرورة استعادة العضوية الكاملة أو المشاركة في جميع مؤسسات الاتحاد. أما الانضمام إلى السوق الموحدة، فيرتبط بقواعد والتزامات أوسع تتيح تسهيل حركة السلع والخدمات، بينما تتطلب العودة الكاملة مسارا سياسيا وقانونيا معقدا، ومفاوضات مع الدول الأعضاء والمؤسسات الأوروبية.
ولا تبدو الطريق نحو استعادة العضوية خالية من العقبات، إذ إن أي طلب بريطاني رسمي سيطرح أسئلة بشأن شروط الانضمام، والتزامات لندن تجاه القواعد الأوروبية، وموقف الدول الأعضاء من منحها وضعا مماثلا لوضعها السابق. كما سيظل الرأي العام البريطاني عاملا حاسما في تحديد مدى استعداد الحكومة للانتقال من مراجعة العلاقة التجارية إلى طرح العودة الكاملة على جدول الأعمال.
ومن الجانب الأوروبي، قد تتيح عودة بريطانيا، في حال تحققت، تعزيز الوزن الاقتصادي والاستراتيجي للاتحاد، بالنظر إلى حجم الاقتصاد البريطاني وموقع لندن في المجالات المالية والدبلوماسية والأمنية. لكن ذلك يظل رهينا بتوافق سياسي بين الطرفين، وبمدى الاستعداد لتجاوز الخلافات التي رافقت مفاوضات الانفصال وما أعقبها من ترتيبات.
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة، وتصاعد المنافسة الاقتصادية، وتزايد التحديات الأمنية، وهي عوامل تدفع عددا من العواصم الأوروبية إلى البحث عن صيغ تعاون أكثر فعالية. وفي هذا الإطار، تبرز الدعوة الفرنسية باعتبارها إشارة سياسية إلى أن باب النقاش بشأن مستقبل العلاقة بين لندن وبروكسل لا يزال مفتوحا، رغم أن العودة إلى الوضع السابق ليست مسألة تلقائية.
وبين الدعوات الفرنسية والانفتاح البريطاني على مراجعة بعض الخيارات، يبقى السؤال المطروح: هل تتجه المملكة المتحدة نحو إعادة بناء شراكة أوثق مع الاتحاد الأوروبي، أم أن النقاش سيظل محصورا في تحسين الاتفاقات التجارية وتخفيف آثار «بريكست» دون العودة إلى العضوية الكاملة؟
حتى الآن، لا يعني فتح هذا النقاش أن بريطانيا قررت العودة إلى الاتحاد الأوروبي، كما لا يشكل الموقف الفرنسي اتفاقا نهائيا بشأن شروط هذه العودة. لكن مجرد طرح الاحتمال يعكس استمرار الجدل حول حصيلة الانفصال، ويعيد إلى الواجهة سؤالا جوهريا في السياسة البريطانية: هل حققت مغادرة الاتحاد الأهداف التي رُوّج لها، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة أوسع للعلاقة مع الشريك الأوروبي؟









