يُعدّ تعبير “قاب قوسين أو أدنى” واحداً من أبلغ العبارات الواردة في القرآن الكريم، حيث جاء في سورة النجم في سياق وصف المعراج النبوي: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾، في إشارة إلى القرب الشديد بين النبي محمد ﷺ وجبريل عليه السلام.
هذا التركيب اللغوي يحمل في طياته ثروة دلالية، إذ يجمع بين الصورة الحسية للقوس – أداة الرمي المعروفة – وبين المعنى المجازي للقرب البالغ الذي لا يكاد يُتصوَّر أقرب منه. فـ”القاب” هو مقدار ما بين الوتر والسهم حين يُشدّ، و”القوسان” إشارة إلى حدّين متقابلين لا يكادان يفترقان. ومن هنا أصبح التعبير رمزاً للاتصال الشديد، واللحظة الحاسمة التي تفصل بين البعيد والبلوغ.
في الاستعمال العربي الحديث، انتقل المصطلح من سياقه القرآني إلى لغة الإعلام والسياسة والثقافة اليومية. فنسمع عبارات مثل: “المغرب قاب قوسين أو أدنى من تحقيق إنجاز تاريخي“، أو “المفاوضات باتت قاب قوسين أو أدنى من الانفراج“. وهي استعمالات تؤكد أن العبارة تحولت إلى أداة لغوية تعبّر عن الاقتراب من تحقيق هدف أو بلوغ مرحلة حاسمة.
يبقى هذا التعبير مثالاً على عبقرية البيان القرآني، وكيف استطاعت كلمة أو تركيب قصير أن يظل حيّاً في اللغة لأكثر من أربعة عشر قرناً، محتفظاً بوهجه البلاغي، ومتحولاً إلى تعبير يومي يعكس لحظة الاقتراب الحاسم بين الممكن والمتحقق.








