
هاشــم الخياطــي
في قلب منطقة زرهون، حيث تختزل قصبة بني عمار صفحات من التاريخ العريق، تعيش الساكنة اليوم على وقع واقع مرير يطغى عليه الإهمال وغياب أبسط شروط العيش الكريم. هذه المعلمة التاريخية، التي كان يُفترض أن تكون رافعة للتنمية المحلية ومصدر فخر للمنطقة، تحولت إلى نموذج صارخ لسوء تدبير الشأن المحلي من طرف المجلس القروي.
أولى مظاهر هذا التدهور تتجلى في البنية التحتية المهترئة، حيث تحولت أزقة القصبة إلى مسالك محفوفة بالحفر والمطبات، في مشهد يعكس غياب أي رؤية لإعادة التأهيل. وتزداد الوضعية قتامة مع الأشغال العشوائية التي خلفتها الشركة المكلفة بإصلاح قنوات الماء غير الصالح للشرب، والتي تركت وراءها طرقاً مدمرة دون أدنى اعتبار لسلامة الساكنة.
أما مشكل الماء الصالح للشرب، فقد بلغ مستويات مقلقة، إذ تعاني الساكنة من انقطاعات متكررة، في مفارقة صادمة لمنطقة تزخر بفرشة مائية مهمة. هذا الواقع يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير هذا القطاع الحيوي، وحول الجهات المسؤولة عن هذا العبث اليومي بمعاناة المواطنين.
ولا يقل مشكل النفايات خطورة، حيث تتراكم الأزبال في الأزقة بشكل يهدد الصحة العامة ويشوه صورة القصبة. غياب نظام فعال لجمع النفايات يعكس مرة أخرى ضعف التدبير وانعدام الحس بالمسؤولية.

وفي جانب آخر، تعاني الساكنة من ضعف التغطية بشبكات الاتصالات، ما يزيد من عزلتها الرقمية ويحد من فرص التنمية والانفتاح، في وقت أصبحت فيه خدمات الاتصال ضرورة لا رفاهية.
أما الإنارة العمومية، فقد تحولت إلى مجرد هياكل مهترئة، مصابيح مكسورة أو منطفئة، معلقة كـ”خردة في السماء”، تاركة الأزقة تغرق في الظلام، وما يرافق ذلك من مخاطر أمنية يومية.
وسط كل هذه الأزمات، يبرز الغياب التام للمجلس القروي، الذي يبدو وكأنه خارج التغطية، لا تواصل مع الساكنة ولا تدخلات ملموسة على أرض الواقع. مجلس عنوانه الأبرز الغياب التام ، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى يقظة حقيقية وإرادة سياسية قوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن ما تعيشه قصبة بني عمار زرهون اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لاختلالات في التدبير وغياب المحاسبة. فإلى متى سيستمر هذا الصمت؟ وأين هي الجهات الوصية لمساءلة مجلس يبدو أنه تخلى عن أبسط أدواره؟

قصبة بني عمار، بتاريخها وعمقها الحضاري، لا تستحق أكثر من هذا الإهمال… تستحق أن تعود إلى الحياة.
غير أن الوضع لا يتوقف عند حدود هذه الاختلالات اليومية، بل يتعداه إلى غياب رؤية تنموية شاملة تعيد الاعتبار لهذه القصبة التاريخية. فبني عمار زرهون، بما تزخر به من مؤهلات ثقافية وتراثية، كان من الممكن أن تتحول إلى قطب سياحي قروي يخلق فرص الشغل ويعيد الأمل للشباب، غير أن غياب التخطيط وافتقار المجلس لأي استراتيجية واضحة جعلا هذه الإمكانيات مجرد شعارات غير مستغلة.
الساكنة، التي أنهكها الانتظار، لم تعد تطالب بالمشاريع الكبرى بقدر ما تبحث عن الحد الأدنى من الكرامة: ماء مستقر، طرق صالحة، إنارة تحفظ الأمن، وبيئة نظيفة. وطريق معبد ، لكن حتى هذه المطالب البسيطة تبدو بعيدة المنال في ظل مجلس جماعي يكتفي بدور المتفرج، وكأن معاناة المواطنين لا تعنيه.

وتزداد حدة الانتقادات مع الحديث عن ضعف قنوات التواصل بين المجلس والساكنة، حيث يغيب أي إشراك حقيقي للمواطنين في اتخاذ القرار، ولا تُعقد لقاءات تواصلية منتظمة لشرح البرامج أو تبرير الإخفاقات. هذا الانقطاع يعمق فقدان الثقة ويكرس الشعور بالتهميش.
كما يطرح متتبعون تساؤلات مشروعة حول تدبير الميزانية الجماعية: أين تُصرف؟ وما هي الأولويات المعتمدة؟ وكيف يتم تقييم المشاريع المنجزة؟ أسئلة تظل بدون أجوبة واضحة، في ظل غياب الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أمام هذا الواقع، لم يعد الصمت خياراً، بل أصبح صرخة الساكنة ضرورة لوقف هذا النزيف التنموي. فقصبة بني عمار زرهون ليست مجرد مجال جغرافي مهمش، بل هي جزء من الذاكرة الجماعية للمنطقة، وإهمالها بهذا الشكل هو إهدار لقيمة تاريخية وثقافية لا تقدر بثمن.
إن المرحلة اليوم تفرض تدخلاً عاجلاً من الجهات المعنية، لفتح تحقيق في أسباب هذا التدهور، وإعادة ترتيب الأولويات بما يضمن كرامة المواطن أولاً، وإطلاق دينامية تنموية حقيقية تعيد الروح إلى هذه القصبة المنسية.
فإلى متى سيظل التاريخ صامتاً أمام واقع يزداد قتامة؟ وأي مستقبل ينتظر بني عمار زرهون في ظل مجلس يختبئ خلف جدران الصمت؟











