بين مكر الإخوة وكيد امرأة العزيز
قصص القرآن الكريم مليئة بالعبر والحكم والدروس والمواعظ ، وهي نبراس يُهتدى بها .فجميع مشاكل البشرية ، والقضايا الكبرى تجدها مفصلة في القصص القرآني ، فهي تقوم بسرد حياة وتجارب السابقين وخاصة الأنبياء ، ويكون المراد بها الاتعاظ والعبرة وتعليم الدروس .لذلك اتبع الله سبحانه وتعالى أسلوب سرد القصص في كتابه المحكم ، وكمثال لذلك نجد قصة يوسف عليه السلام،التي هي نبراس يُهتدى بها، لما فيها من عبر ودروس هُداة للإنسانية إلى الأخلاق العليا ، ففيها نفعا وتربية وعودة إلى الحق ، ونهيا عن ارتكاب المعاصي ” لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ” .”فاقصص عليهم القصص لعلهم يتذكرون ” .صدق الله العظيم.
نسب يوسف عليه السلام
تربى يوسف في بيت النبوة ببيت أبيه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ثلاثة أنبياء وهو رابعهم،أراد الله أن يرزق يوسف النبوة في المستقبل ، فكتب الله له أن يمر في المحن وهو ابن اثنا عشر سنة (حسب مجمع بعض العلماء)، و أراد الله أن يعلمه شيئا من التدرج في الحياة حتى يؤهله للنبوة . وكان ليوسف إحدى عشر أخا ، محبوبا عند أبيه هو وأخوه بنيامين من أم واحدة ، أما العشرة فأمهم أخرى ، كان يوسف عليه السلام أذكاهم ،وأفصحهم ،وألمعهم ،وأجملهم،و يمتاز بسلوك قويم ،توسم فيه الأب أن يكون له شأن عظيم ، مما جعله يؤثره بالرعاية على باقي إخوته .
البداية كيد الإخوة ليوسف
حان الوقت لتظهر على يوسف البشائر التي ينعم بها الله عليه دون إخوته ، فبادر إلى أبيه يقص عليه ما رآه في منامه ” إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين “. عندها أدرك الأب يعقوب عليه السلام بحدسه وبصيرته ،أن وراء هذه الرؤيا شأنا عظيما لهذا الفتى ، لذلك نصحه بأن لا يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيدا .
شعر الأبناء بازدياد حب أبيهم ليوسف وتفضيله عليهم ، فتولدت لديهم كراهية وغيرة وحقد وحسد تجاهه ، فأجمعوا على التخلص منه ، وفي اجتماع بينهم ،انهزمت فكرة قتله ، واختيرت قضية النفي والإبعاد.فاتجهوا في نظرهم إلى عمل مخفف وهو رميه في بئر بالقرب من طريق القوافل ( السيارة ) يمكنها أن تأخذه وترحل به بعيدا .
تنفيذ مقترح الإخوة
ذهب هؤلاء الأبناء إلى الأب يستعطفونه لاصطحاب يوسف معهم ، ليرتع ويلعب ،فأظهروا له شفقتهم عليه ، وبطريقة غير مباشرة أظهر الأب أنه لا يؤمنهم عليه ، ويخاف أن يأكله الذئب وهم عنه غافلون ، فندوا فكرة الذئب ، وواقف الأب تحت ضغط الإخوة وتعهدهم بالحرص عليه، وهم عشرة رجال أشداء أقوياء ، فأعطاهم فرصة لإظهار حسن نيتهم وسلامة مشاعرهم اتجاه أخيهم.
وصلوا البئر وطلبوا من يوسف أن يخلع قميصه بحجة المحافظة عليه من البلل ، فتم دلوه في البئر بحبل جمعوه لما وصل إلى مستوى الماء ، وتركوه في البئر وغادروا غير بعيد يراقبونه ، إلى أن حلت قافلة واصطحبت معها يوسف، ثم بدأ الإخوة يفكرون في طريقة مواجهة أبيهم ، ذبحوا شاة ولطخوا بدمائها قميصه ،وأتوا بعذر كاذب لا يقبله إنسان عادي ،و نسوا أن يمزقوا القميص .
دخلوا على أبيهم عشاء يبكون ، قدموا له القميص كدليل عن الحكاية المفترضة فلم يصدقها ،( وجاؤوا على قميصه بدم كذب). وعن مصير يوسف جاء أحد السيارة لجلب الماء من البئر، أنزل الدلو وأخرج غلاما عالقا به ، فاتفق مع أصحابه على بيعه في سوق العبيد ، حيث اشتراه ممثل ملك مصر لحكمة الله ، فرآه العزيز وهو لقب أقرب رجل دولة إلى فرعون بمعنى أنه رئيس الوزراء، اسمه فوطيقار، وُصف بأنه خصي ليس له أولاد، فهاله ما رآى وحث زوجته زوليخا على كرمه ،عسى أن ينفعه ويتخذه ولدا.
يوسف في بيت العزيز
كان يوسف أجمل شاب في عصره ،أوتي نبلا وعفة جعلاه ذا شخصية لها شأن داخل القصر، وبهذا يكون الله تعالى قد كرم يوسف بأعز منزلة ومقامة عند العزيز، ويظهر أن العلماء قد اختلفوا في تقدير عمره ، هناك من جاء ب 13 سنة وآخرون ب 17 سنة ،واتفق آخرون أن سنه دون البلوغ ،وللمفسرين حكم في تقديرسن رشده.
بعد حلوله ببيت العزيز توافرت النعم وتضاعفت، وتدللت الصعاب وتيسرت الأمور، وتحول القصر إلى جنة ، فزاد العزيز تعلقا به وعظمت ثقته فيه ، فما إن دخل عقده الثالث حتى أسند إليه التصرف في شؤونه العامة ،لما لمس فيه من علم وحكمة ونظر ثاقب. “يتبع “










