الملكة تقف على عظمة وقوة النبي سليمان وتسلم هي ورعيتها
وتمضي المشاهد المعجزة التي وردت في قصة سليمان عليه السلام مع بلقيس ملكة سبأ ، وكيف أعطاه الله من الملك والتحكم في الجن، ومعرفة لغة الطير، وتسخير الريح له… فماذا فعلت بلقيس عندما جاءت من أرض اليمن، وترى هذا الملك العريض لنبي الله سليمان، وكيف شاهدت عرشها أمامها وهي قادمة من تلك البلاد البعيدة، وما ردة فعلها أمام هذه المعجزة؟.
ها هو العرش ماثل أمام سليمان، تأمله طويلا ، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم: (فَلَمَّا رَآه ُمُسْتَقِّرا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) ،ثم أمر بإدخال تغيرات طفيفة عليه، ليمتحن بلقيس حين تأتي، ويرى هل يمكنها أن تعرف عرشها؟
(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ).
واسترسالا في القصة ، أمر سليمان ببناء قصر لاستقبال بلقيس. واختار له موقعا قريبا من البحر ، وأمر ببناء هذا القصر، بحيث يقع جزء منه داخل مياه البحر، وأمر أن تصنع أرضية القصر من زجاج شفاف صلب متين ، يظهر منه قعر البحر بأسماكه وأعشابه ، حيث يبدو للناظر أنه طبيعي وليس هناك زجاجا. وبذلك يكون قد رجح العلماء أن سليمان جعل من ذلك وسيلة لعرض مظاهر القوة الخارقة التي منحه الله إياها، لتؤثر في قلب الملكة وتقودها إلى الإيمان بالله. ولما دخلت بيت المقدس معلنة ولاءها دون أن تدري ما وقع لعرشها، وأنه سبقها بالوصول إلى بيت المقدس بقدرة من أمره. وما إن استقر بها الجلوس حتى عرض عليها عرشها فنظر ناحيته نظرة استغراب.

وهنا تبرز الآية الحوار الذي دار بين سليمان وبلقيس، حين نظرت إلى عرشها فرأته يشبه عرشها تماما… وما كانت تخالجه : إ ذا كان هذا عرشها فكيف وصل قبل مجيئها ؟ ، وفي حالة إذا لم يكن هو، فكيف تم تقليده بهذه الدقة المتناهية؟
قال سليمان وهو يراها تتأمل العرش: ((فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)
كان ذلك مفاجأة عظيمة لم تخطر على بال الملكة ،حيث وقفت مندهشة تدل على أن هذه القوة ليست من صنع البشر. حينها أدركت بلقيس أن هذا هو عرشها، لقد سبقها إلى المجيء، ولاحظت فيه إضافة بعض الأجزاء ، وانبهرت بلقيس لما شاهدته من إيمان سليمان وصلاته لله، مثلما انبهرت بما رأته من تقدمه في الصناعات والفنون والعلوم. وأدهشها أكثر هذا الاتصال العميق بين إسلام سليمان وعلمه وحكمته. (وَصَدَّها مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ).
قيل لبلقيس ادخلي القصر. فلما وضعت قدماها على بلاط الصرح حتى كشفت عن ساقيها ،ضانة أن الأرض مبتلة بالماء كلجة مائية صافية (وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا) حتى لا يبتل رداؤها، تبسم سليمان من فعلها ،وأخبرها بأن لا ماء في الصرح كما خيل إليها ،وأنها أرض مبلطة بالبلور الشفاف ، ونبهها سليمان ألا تخاف على ثيابها من البلل. ( قيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ).
وأمام هذا المنظر البديع، طأطأت الملكة رأسها أمام الملك ، والعلم الذي وهبه الله عز وجل لنبيه سليمان عليه السلام ، ولم تتوان بلقيس في الإقرار بذنبها ، وأسلمت لله رب العالمين. وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: (قاَلتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وتبعتها رعيتها وأسلم الجميع. حينها أدركت أنها تواجه أعظم ملوك الأرض، وأحد أنبياء الله الكرام.
المصدر : من قصص القرآن الكريم وتفسير ابن كثير









