يعد قطاع سيارات الأجرة من أهم وسائل النقل العمومي في المغرب، حيث يلعب دورًا حيويًا في تنقل المواطنين داخل المدن وخارجها. غير أن هذا القطاع يعاني منذ سنوات من اختلالات بنيوية، تعود أساسًا إلى نظام “المأذونية” أو ما يُعرف بـ”الكريمة”، الذي يفرض قيودًا كثيرة على المهنيين ويؤدي إلى تفشي الفوضى والاستغلال.
المأذونية هي ترخيص تمنحه الدولة لممارسة نشاط النقل بسيارات الأجرة، لكنها لا تُمنح عادةً للسائقين المهنيين، بل تُوزَّع على أشخاص قد لا تكون لهم أي علاقة بالمهنة، مثل شخصيات نافذة، أرامل مسؤولين، أو متقاعدين من قطاعات مختلفة. في المقابل، يضطر السائقون المهنيون إلى استئجار هذه الرخص بمبالغ مرتفعة، مما يجعلهم يعملون في ظروف اقتصادية صعبة، حيث يتحملون تكاليف التشغيل والصيانة دون أن يمتلكوا حق الاستفادة الكاملة من عائدات عملهم.
بسبب نظام المأذونية، يجد السائق المهني نفسه مضطرًا لدفع “واجب الكريمة” لصاحب الترخيص، مما يقلل من أرباحه ويجبره على العمل لساعات طويلة في ظروف غير إنسانية لتأمين الحد الأدنى من الدخل. هذا الوضع يؤدي إلى تدهور مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، حيث يضطر السائقون إلى البحث عن الربح السريع بأي وسيلة ممكنة.
تحول قطاع سيارات الأجرة إلى سوق غير منظمة، حيث يتم تداول المأذونيات بمبالغ كبيرة في السوق السوداء، دون أي تدخل رقابي من الدولة. هذا الوضع يعمّق الفجوة بين السائقين وأصحاب الرخص، ويجعل القطاع عرضة للمضاربات المالية بدل أن يكون وسيلة نقل عمومي في متناول الجميع.
نظرًا للعبء المالي الكبير الذي يتحمله السائقون، يصبح من الصعب عليهم تجديد سياراتهم أو تحسين جودة خدماتهم، مما يؤدي إلى استمرار العمل بمركبات قديمة وغير مريحة، تساهم في زيادة التلوث وتفاقم مشاكل النقل الحضري.
يرى العديد من الخبراء والمهنيين أن الحل الجذري لمشاكل قطاع سيارات الأجرة في المغرب هو إلغاء نظام المأذونية وتعويضه بنظام يعتمد على التراخيص الفردية، حيث يحصل كل سائق مهني على رخصة مباشرة من الدولة، تمكنه من العمل باستقلالية ودون الحاجة إلى وسطاء.
يتطلب إصلاح القطاع وضع برامج لدعم السائقين، تشمل تمويلات ميسرة لاقتناء سيارات جديدة، وتأمين صحي واجتماعي يحميهم من مخاطر المهنة، بالإضافة إلى تكوينات دورية لتحسين جودة الخدمة.
يجب على السلطات وضع آليات رقابية صارمة لمنع استغلال المأذونيات في السوق السوداء، وضمان احترام حقوق السائقين، مع تشجيع التحول نحو وسائل نقل حديثة ومستدامة.
يبقى إصلاح قطاع سيارات الأجرة في المغرب ضرورة ملحة لضمان العدالة الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ولن يتحقق هذا الإصلاح إلا من خلال إرادة سياسية حقيقية تقطع مع الامتيازات غير العادلة، وتعتمد نموذجًا جديدًا يقوم على المساواة والشفافية وتمكين المهنيين من حقوقهم المشروعة.
إلى جانب ضرورة إلغاء نظام المأذونية، هناك مجموعة من الإصلاحات التي يمكن أن تساهم في تحسين أوضاع هذا القطاع وضمان استمراريته بطريقة أكثر عدلاً وإنصافًا. ومن بين هذه الإصلاحات:
في ظل التطور التكنولوجي، أصبح من الضروري إدماج سيارات الأجرة في منظومة النقل الذكي، عبر استخدام تطبيقات إلكترونية رسمية تمكن الزبائن من طلب الخدمة بطريقة شفافة وعادلة، ما يسهل عمليات المراقبة ويحدّ من الممارسات العشوائية.
يحتاج قطاع سيارات الأجرة إلى تحديث مستمر للأسطول من خلال اعتماد سيارات اقتصادية وصديقة للبيئة، مما يقلل من استهلاك الوقود ويحسّن جودة الهواء داخل المدن. ويمكن تحقيق ذلك عبر تقديم قروض ميسرة للسائقين المهنيين الراغبين في تجديد سياراتهم.
يواجه سائقو سيارات الأجرة أوضاعًا اجتماعية صعبة بسبب غياب التغطية الصحية والتقاعد. لذلك، من الضروري إدماجهم في منظومة الضمان الاجتماعي، مع توفير دعم حكومي يغطي جزءًا من التكاليف لضمان عيش كريم لهم ولأسرهم.
غالبًا ما يشكو المواطنون من سلوكيات بعض سائقي سيارات الأجرة، وخاصة الصغيرة مثل رفض نقل الركاب لمسافات قصيرة أو فرض تسعيرة غير قانونية. لذا، ينبغي وضع ميثاق أخلاقي ينظم العلاقة بين السائقين والزبائن، مع تعزيز الرقابة ومعاقبة المخالفين لضمان تقديم خدمة لائقة للمواطنين.
إن إصلاح قطاع سيارات الأجرة في المغرب ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل هو قضية اجتماعية تهم شريحة واسعة من المهنيين والمواطنين. ويتطلب هذا الإصلاح مقاربة شاملة تقوم على العدالة والشفافية، مع إلغاء الامتيازات غير العادلة، وضمان بيئة عمل تحترم حقوق السائقين، وتوفر خدمة نقل عمومي ذات جودة عالية. فبدون هذه الإصلاحات، سيظل القطاع يعاني من الفوضى والاستغلال، ما يؤثر سلبًا على حياة المواطنين والتنمية الحضرية في المغرب وخاصة وأن المغرب مقبل على تنظيم كأس العالم سنة 2030.مما يمنحه الوقت الكافي لتجديد أسطول سيارات الأجرة بصنفيها المهترئة والتي يعود تاريخ بعضها إلى سنة 1972.











