تنتشر في شوارع المملكة العديد من السيارات التي تحمل شارات مهنية على واجهاتها الأمامية، تشير إلى مهن أصحابها مثل برلماني، طبيب، محامٍ، صحافي، رابطة الشرفاء…….أو حتى إلى المؤسسات التي يعملون بها. وقد أدى هذا الأمر إلى ظهور إعلانات تجارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تروج لبيع هذه الشارات، مما يثير تساؤلات حول مدى قانونية استخدامها وأسباب انتشارها الواسع في الآونة الأخيرة.
بعض هذه الشارات لا تشير مباشرة إلى مهنة أو مؤسسة، بل تكتفي بحمل شعار المملكة المغربية وألوان العلم الوطني، بالإضافة إلى شعار “الله – الوطن – الملك”. في المقابل، اتجهت بعض المؤسسات، مثل المديرية العامة للأمن الوطني، إلى فرض قيود صارمة على منتسبيها فيما يخص وضع هذه الشارات على السيارات الخاصة، وذلك بهدف تجنب أي شبهات أو استغلال غير مشروع لها.
الإطار القانوني لوضع الشارات المهنية
وفقًا لما أشار إليه أحد المحامين، لا يوجد في التشريع المغربي أي قانون صريح ينظم أو يسمح بوضع هذه الشارات على السيارات. ورغم ذلك، يستخدمها بعض المهنيين لتسهيل مهامهم، مثل الأطباء الذين يحتاجون إلى دخول المستشفيات بسهولة أو ركن سياراتهم في أماكن مخصصة. كما أن وجود شارة مهنية قد يساعد رجال الأمن في مطالبة الأطباء بتقديم المساعدة العاجلة في حال وقوع حوادث أو أزمات صحية في الشوارع.
الأمر نفسه ينطبق على القضاة والمحامين وموظفي كتابة الضبط، حيث يتم تزويدهم بشارات لتسهيل دخولهم إلى مرائب المحاكم، لكن دون وجود أي نص قانوني يحدد شكلها أو يفرض معايير موحدة لها. وبالنسبة للمحامين، تعتمد بعض الهيئات المهنية، مثل هيئة محامي محاكم الاستئناف في أكادير وكلميم والعيون، على إدراج الرقم المهني لكل محامٍ ضمن الشارة لضبط استخدامها.
مخاطر إساءة استخدام الشارات
شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا غير مسبوق لشارات مهنية تحمل رموزًا وطنية أو ألوان العلم المغربي، دون أي رقابة، مما أدى إلى استغلالها من قبل البعض لإضفاء طابع رسمي أو مكانة خاصة على أنفسهم. والأخطر من ذلك، أن بعض الشارات تحمل رموزًا تُوحي بامتيازات اجتماعية أو قانونية غير مشروعة، وهو ما يعزز فكرة عدم المساواة أمام القانون.
القانون الجنائي المغربي يعاقب بصرامة على جريمة انتحال الصفة أو اللقب المهني، حيث تنص المادة 381 على عقوبات بالسجن من 3 أشهر إلى سنتين، وغرامات تصل إلى 25,000 درهم لكل من ادعى لقبًا مِهنيًا محميًا دون أن يستوفي الشروط القانونية. كما تعاقب المادة 382 كل من ارتدى زيًا رسميًا أو استخدم شارة مهنية دون وجه حق بالسجن من 3 أشهر إلى سنة.
الحاجة إلى تقنين استخدام الشارات المهنية
أكد المحامي أن وضع الشارات المهنية لا يمنح أي امتيازات قانونية أو اجتماعية لحامليها، وإنما يُفترض أن يقتصر دورها على تسهيل ممارسة المهنة ضمن الأطر القانونية. ومع ذلك، قد يؤدي استخدامها إلى مشكلات، خاصة عندما يتم تداول السيارة بين أفراد العائلة، مما قد يفتح الباب أمام إساءة استخدامها.
في بعض الحالات، يكون الدافع وراء وضع هذه الشارات هو البحث عن التميز الاجتماعي أو محاولة فرض النفوذ، وهو ما يرتبط بثقافة تقليدية تلخصها عبارة: “واش عرفت مع من كتهضر؟”. وقد يكون أيضا لغايات إجرامية كالنصب والاحتيال، أو نقل ممنوعات على متن السيارة ، أو عدم التوفر على ورقة من أوراق السيارة ، كالضريبة أو التأمين مثلا .
غير أن المجتمع المغربي، وخاصة الأجيال الجديدة، أصبح أكثر وعيًا بأهمية المساواة أمام القانون، وهو ما تعزز بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.
أمام هذه الفوضى، أصبح من الضروري أن يتدخل المشرّع لوضع إطار قانوني واضح ينظم استخدام الشارات المهنية، خاصة بالنسبة للمهن الحساسة كالقضاء والطب والصحافة، وذلك لحماية منتسبيها من الاستغلال غير المشروع. كما دعا المحامي إلى تكثيف الدوريات الأمنية لمراقبة حاملي هذه الشارات، والتأكد من هويتهم المهنية عبر البطاقة الرسمية، مع فرض عقوبات صارمة على المخالفين.
يظل الهدف الأساسي من تنظيم هذا المجال هو ضمان سيادة القانون وحماية المهن والمؤسسات من أي استغلال غير قانوني. فبينما يمكن أن يكون استخدام الشارات المهنية مبررًا لأغراض مهنية محددة، فإنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لخلق امتيازات أو تجاوز القوانين. لذلك، يبقى تدخل السلطات التشريعية أمرًا حتميًا لتقنين هذه الممارسات وضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.









