مراكش – هاشم الخياطي
شهدت مدينة مراكش، صباح اليوم الإثنين، انطلاقة قوية للدورة الثالثة من معرض “جيتكس إفريقيا”، الحدث الرقمي الأكبر في القارة، والذي تحوّل إلى نقطة التقاء استراتيجية بين الابتكار التكنولوجي وروح ريادة الأعمال الإفريقية.
بأجواء مفعمة بالحيوية ورؤية مستقبلية طموحة، استقبلت المدينة الحمراء زهاء 45 ألف مشارك و1400 عارض من أكثر من 130 بلداً، في مشهد يعكس مكانة المغرب المتنامية كجسر رقمي بين الشمال والجنوب.
وجاء افتتاح المعرض تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وافتُتح بكلمة مصورة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، وسط حضور لافت لوزراء ومسؤولين حكوميين، إلى جانب مستثمرين وشخصيات من عالم التكنولوجيا والمال والأعمال.
وتأتي دورة هذه السنة محمّلة بطموحات تتجاوز حدود العرض والطلب، لتلامس جوهر التحول الرقمي بالقارة الإفريقية . من خلال ندوات متخصصة، ومنتديات تواصل احترافية، ومبادرات تركز على الصناعات الإبداعية، يضع “جيتكس إفريقيا” مراكش في قلب خارطة الابتكار العالمي.
وفي السياق ذاته، تم تسليط الضوء على “قمة مستقبل الربط في إفريقيا”، التي جمعت عمالقة قطاع الاتصالات والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، لمناقشة رهانات الجيل الخامس وتوسيع شبكات النطاق العريض، بما يضمن تسريع رقمنة القارة.

وفي سابقة نوعية، تم إطلاق “استوديو الجالية الإفريقية بالعالم”، كفضاء جامع للكفاءات الإفريقية في الشتات، بهدف خلق جسور استثمارية ومعرفية بين المهجر والمنظومات المحلية. خطوة تعكس وعياً جماعياً بأن مستقبل إفريقيا لا يُبنى فقط من الداخل، بل من كل نقطة على الخريطة تضم عقلاً إفريقياً لامعاً.
الحدث لم يغفل قطاعات تشكل حجر الزاوية في التنمية المستدامة، حيث تم تخصيص مساحات لعرض أحدث التقنيات في مجالات التعليم (EdTech)، الزراعة (AgriTech)، الصحة (HealthTech)، والرياضة (SportsTech). وكلها قطاعات تُعوّل عليها القارة في رسم معالم مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي.
“جيتكس إفريقيا” لم يعد مجرد معرض، بل تحول إلى مختبر حقيقي لأفكار الغد، ومنصة لصياغة مستقبل رقمي تشاركي، تكون فيه إفريقيا فاعلاً لا مفعولاً به. وبين أروقة المعرض، تتبلور رؤية واعدة لقارة بدأت تكتب فصلها الجديد بأدوات الثورة الرقمية.
ليس من قبيل الصدفة أن يحتضن المغرب، للعام الثالث توالياً، هذا الحدث التكنولوجي الضخم. فاختيار مراكش كمركز لاستقبال عمالقة التقنية ورواد الأعمال يؤكد المكانة المتقدمة للمملكة كحاضنة للابتكار ومركز إقليمي لتلاقي الاستثمارات الذكية.
وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بشراكة مع وكالة التنمية الرقمية، وضعتا تصوّراً واضحاً لهذه التظاهرة يتجاوز البهرجة إلى إرساء منظومة رقمية مستدامة، تُبنى على التعاون بين الحكومات، القطاع الخاص، والمجتمع المدني، مع فسح المجال أمام المواهب الشابة لإبراز قدراتها في بيئة محفزة.
ما يميز “جيتكس إفريقيا” بأرض المغرب عن غيره من المعارض الدولية، هو روح الانتماء والتعاون التي تطبع كل ركن فيه. ورش العمل، الجلسات التفاعلية، والعروض الحية، كلها توحي بأن التحول الرقمي ليس مجرد أدوات وتقنيات، بل هو قبل كل شيء حوار بين العقول، وتبادل للخبرات، وتشارك في الرؤى.
وفي ظل التحديات التي تواجه القارة، من فجوة رقمية إلى ضعف البنية التحتية، يأتي هذا المعرض كمحاولة جماعية لرسم طريق موحد نحو إفريقيا رقمية، قادرة على التنافس، وعلى إنتاج المعرفة لا استيرادها فقط.
“جيتكس إفريقيا” في نسخته الثالثة، ليس مجرد حدث عابر، بل محطة فاصلة تعيد طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تخدم الإنسان الإفريقي، لا أن تهمشه؟ كيف نصنع من الرقمنة أداة للعدالة الاقتصادية والاجتماعية، لا مجرد رفاهية للنخبة؟
أسئلة تُطرح اليوم في مراكش، وتُناقش على طاولات كبار الفاعلين الرقميين في العالم، ولكن الأجوبة الحقيقية، ستُكتب لاحقاً… في الواقع الإفريقي المتغير، وبأيدٍ إفريقية.










