ما يزال مشروع قانون مهنة المحاماة يثير موجة واسعة من الجدل والنقاش داخل الأوساط القانونية والسياسية والجامعية بالمغرب، في مشهد يعكس حساسية هذه المهنة النبيلة وارتباطها الوثيق بمنظومة العدالة وحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة. فالمحاماة ليست مجرد مهنة حرة، بل هي شريك أساسي في تحقيق العدالة وصون الحقوق والحريات، وأي تعديل يطال قوانينها يظل محط اهتمام ومتابعة من مختلف الفاعلين.
النقاش الدائر اليوم حول مشروع القانون الجديد يكشف حجم التباين في التصورات بين من يعتبر النص المقترح خطوة ضرورية لتأهيل المهنة وضبط شروط الولوج إليها بما يضمن الجودة والكفاءة، وبين من يرى أن بعض مقتضياته تحمل طابعا إقصائيا وتمس بمبدأ تكافؤ الفرص، خاصة بالنسبة لفئات أكاديمية ومهنية راكمت خبرة طويلة في المجال القانوني والقضائي.
لقد عبر عدد من أساتذة التعليم العالي بكليات الحقوق عن رفضهم لبعض المواد، وعلى رأسها المادتان 13 و14، معتبرين أن المشروع لم ينصف الجامعة المغربية ولم يمنح المكانة الاعتبارية التي تستحقها داخل منظومة العدالة. فمن غير المقبول، في نظرهم، أن يتم التعامل مع الأستاذ الجامعي الذي قضى سنوات في تدريس القانون وتكوين أجيال من القضاة والمحامين والأطر القانونية، بمنطق لا يراعي حجم الرصيد العلمي والمعرفي الذي راكمه.
إن الجامعة المغربية كانت وما تزال مشتلا للنخب القانونية، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الدور داخل النصوص المؤطرة لمهنة المحاماة. لذلك فإن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يقوم على منطق التكامل بين الممارسة المهنية والخبرة الأكاديمية، لا على منطق المفاضلة أو الإقصاء.
وفي السياق ذاته، أثارت شروط الولوج إلى المهنة بدورها نقاشا واسعا، خصوصا ما يتعلق بتحديد السن الأقصى لاجتياز مباراة الولوج إلى معهد تكوين المحامين. فربط الولوج بسقف عمري محدد يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى انسجام ذلك مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، خاصة وأن العديد من الكفاءات قد تلج المجال القانوني في مراحل متقدمة من مسارها المهني أو الأكاديمي، وتمتلك من الخبرة والتجربة ما يؤهلها لممارسة المحاماة بكفاءة واقتدار.
كما أن إقصاء بعض الفئات المهنية المرتبطة مباشرة بالعدالة، كموظفي كتابة الضبط والأطر القانونية بالإدارات العمومية، يثير بدوره تساؤلات مشروعة حول فلسفة المشروع وحدود الانفتاح الذي يفترض أن يميز مهنة قائمة أساسا على الدفاع عن الحقوق والحريات.
ومن جهة أخرى، فإن التخوف الذي عبر عنه عدد من البرلمانيين والمحامين بشأن المادة 77 يبقى بدوره موضوعا جديرا بالنقاش العميق، لأن المحامي أثناء مرافعته يحتاج إلى هامش واسع من الحرية في التعبير والدفاع عن موكله، دون خوف أو تضييق قد يؤثر على استقلالية الدفاع. فالمحاماة كانت دائما صوتا للحق، وأي نص قانوني ينبغي أن يوازن بين احترام هيبة الجلسات وضمان حرية الدفاع باعتبارها ركنا أساسيا من أركان العدالة.
إن إصلاح مهنة المحاماة لا ينبغي أن يتم بمنطق الانغلاق أو التضييق، بل بمنطق الإصلاح التشاركي الذي يستحضر آراء جميع المتدخلين، من مهنيين وأكاديميين ومؤسسات حقوقية ونقابية. فالقوانين الناجحة هي تلك التي تولد من رحم الحوار والتوافق، لا من منطق الغلبة أو فرض التصورات الأحادية.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في وضع شروط جديدة للولوج إلى المهنة، بل في بناء منظومة عدالة قوية ومتوازنة، يكون فيها المحامي مستقلا، مكونا بكفاءة، وقادرا على أداء رسالته النبيلة في الدفاع عن الحقوق والحريات وخدمة دولة القانون.
ويبقى الأمل معقودا على أن تفضي النقاشات الجارية إلى صيغة متوازنة لمشروع قانون المحاماة، تراعي متطلبات تحديث المهنة وتأهيلها، وفي الآن نفسه تحترم مبدأ تكافؤ الفرص وتحفظ كرامة مختلف المكونات القانونية والأكاديمية التي تشكل العمود الفقري للعدالة بالمغرب.










