هاشــم الخياطـــي
في قلب المدينة الجديدة حمرية، يقبع «مارشي سانترال» بمكناس، أحد أعرق الأسواق التقليدية بالمدينة، في وضع لا يليق بتاريخه ولا بمكانته الرمزية. السوق الذي كان يومًا ينبض بالحياة، بات اليوم مرآةً تعكس الإهمال والتدهور، وسط مطالب متزايدة من التجار والمواطنين بضرورة التدخل العاجل لإنقاذه.
البنية التحتية للسوق في حالة مزرية، وفق ما يؤكده تجار ورواد المكان، حيث يشكون من ضعف في الإنارة، تردي الصرف الصحي، وغياب أبسط شروط التنظيم. هذا التراجع الحاد لا يؤثر فقط على الحركة التجارية، بل يجعل من تجربة التسوق معاناة يومية، تنفر الزبائن وتخنق النشاط الاقتصادي داخله.
ويرى عدد من المتتبعين أن استمرار هذا الوضع قد لا يكون مجرد إهمال عابر، بل ربما وراءه نوايا خفية لإفراغ السوق من محتواه تمهيدًا لتحويله إلى مشاريع عقارية أو استثمارية أكثر ربحًا، على حساب الذاكرة التجارية للمدينة ومصالح المهنيين.
محاولات إصلاحية سابقة، من بينها دراسة أُنجزت في عهد الوالي السابق فوزي، لم تسفر عن نتائج ملموسة، مما عمّق الإحباط لدى الساكنة. ويستغرب المهنيون من هذا الجمود في التعامل مع سوق يُعد جزءًا من هوية مكناس المعمارية والاقتصادية.
في هذا السياق، تتعالى الأصوات المطالبة بإطلاق مشروع تأهيل شامل يعيد للسوق وهجه، ويحسن من ظروف العمل والتسوق داخله، خصوصًا في ظل الحديث عن استحقاقات دولية كاحتضان المغرب لكأس العالم 2030، والتي تستوجب بنية تحتية تليق بمكانة المملكة.
في ظل هذا الواقع المتردي، تتنامى مخاوف السكان والمهنيين من أن يكون مصير «مارشي سانترال» هو الزوال، لا سيما وأن صمته الطويل من قبل الجهات المسؤولة يُفسَّر على أنه تجاهل مقصود، أو على الأقل، تهاون غير مبرر في التعامل مع ملف حيوي بهذا الحجم. فالسوق لا يمثل فقط فضاءً للتجارة، بل يعد متنفسًا اجتماعياً واقتصادياً لفئة عريضة من ساكنة مكناس، خاصة ذوي الدخل المحدود الذين يجدون فيه حاجياتهم بأسعار تنافسية.
التجار من جهتهم، يعيشون يوميًا تحت ضغط واقع لا يرحم: المحلات تغرق في الرطوبة، ممرات السوق تحولت إلى نقاط تجمع للمياه الآسنة، والزبائن ينفرون شيئًا فشيئًا نحو فضاءات تجارية أكثر نظافة وتنظيماً. ويؤكد عدد منهم أن العديد من المشاريع الصغرى انهارت بسبب تدهور الوضع داخل السوق، ما أدى إلى فقدان مصادر رزق لعشرات الأسر.

وفي غياب خطة واضحة المعالم لإعادة التأهيل، تُطرح تساؤلات جادة حول جدية السلطات في التعاطي مع مطالب الإصلاح، خصوصًا مع اقتراب مواعيد وطنية ودولية كبرى قد تعيد ترتيب الأولويات على مستوى التنمية الحضرية. ويعتبر البعض أن «مارشي سانترال» يشكل فرصة حقيقية لإطلاق نموذج إصلاحي ناجح، يُبرز التوازن بين الحفاظ على التراث وتحقيق التنمية الاقتصادية، إذا ما تم توظيفه بشكل حكيم ومدروس.
وعليه، فإن إعادة تأهيل هذا المعلم التاريخي لا يجب أن تبقى مجرد شعارات أو دراسات حبيسة الرفوف، بل يجب أن تتحول إلى ورش عملي ينطلق بمقاربة تشاركية تشمل المهنيين، والمجتمع المدني، والسلطات المحلية، لضمان استدامة المشروع وفعاليته على المدى الطويل.
«مارشي سانترال» ليس مجرد سوق شعبي، بل هو شاهد حي على تحولات مدينة مكناس، ومعلم حضري لا ينبغي أن يسقط ضحية النسيان أو الجشع العقاري. لكن يبقى السؤال المطروح: هل تتحرك السلطات قبل فوات الأوان؟ أم سيظل السوق رمزًا آخر للإهمال الذي ينهش جسد العاصمة الإسماعيلية؟
فهل يكون «مارشي سانترال» أول الغيث في إعادة الاعتبار لمرافق مكناس المنسية؟ أم أن قدره أن يظل شاهداً على زمن الإهمال والنسيان؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن صوت الشارع واضح: “نريد سوقًا يليق بمكناس وأهلها“.









