يشهد قطاع الصحة العمومي بالمغرب نزيفا متواصلا في موارده البشرية، نزيفا لم يعد مجرد أرقام باردة، بل جرحا ينزف في جسد وطن يتباهى بـ”الإصلاحات الكبرى” بينما يترك مستشفياته تتحول إلى بنايات خاوية من الأطر. الأطباء يفرون جماعيا من المستشفيات العمومية نحو المصحات الخاصة أو فتح عياداتهم الشخصية، ليس لأنهم يطمعون فقط في الربح، بل لأن الحكومة دفعتهم دفعا إلى ذلك عبر الإهمال، سوء التدبير، وغياب أي سياسة جادة تحفظ كرامتهم.
فهل يُعقل أن يظل الطبيب العمومي يشتغل في أقسام متهالكة، بأجهزة عفا عنها الزمن، أمام طوابير لا تنتهي من المرضى، دون أدنى تحفيز مادي أو اعتراف معنوي؟ كيف يمكن لحكومة ترفع شعار “تعزيز الحماية الاجتماعية” أن تغض الطرف عن الشريان الحيوي لهذه الحماية: الطبيب والممرض؟
الحقيقة أن الدولة تتعامل مع قطاع الصحة كعبء ثقيل، لا كأولوية استراتيجية. تترك الكفاءات تنهار تحت الضغط ثم تلوّح بوعود براقة في الخطابات الرسمية. النتيجة: المواطن البسيط هو الضحية، يتكدس في الممرات، ينتظر شهورا لموعد فحص بسيط، بينما الحكومة تكتفي بتصريحات جوفاء.
إن نزيف الأطباء ليس مجرد حركة مهنية، بل شهادة إدانة ضد وزارة الصحة وحكومة عاجزة عن وقف الانهيار. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن المنظومة الصحية العمومية تنهار، وأن استمرار الهروب إلى الأمام لن يحجب الشمس بغربال.
اليوم، إما أن تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تجهيز المستشفيات، تحفيز الأطر، وتغيير عقليتها الريعية في تدبير الصحة… أو أن تعلن صراحة تخليها عن المواطن البسيط لصالح منطق السوق والزبونية.
الصحة العمومية ليست ترفا ولا منّة من الحكومة، بل حق دستوري. والتفريط في هذا الحق جريمة سياسية وأخلاقية لا تغتفر.









