مستجدات

نعيب زماننا… والعيب فينا

طاقم ALLNEWS22 أبريل 2026
نعيب زماننا… والعيب فينا

هاشــم الخياطي

في كل مرحلة من التاريخ، يجد الإنسان نفسه ميّالاً إلى تحميل الزمن مسؤولية اختلالاته، وكأن “العصر” كيان مستقل يقرّر مصائر الناس ويُغرقهم في أزماتهم. تتكرّر الشكوى ذاتها: زمنٌ قاسٍ، قيمٌ متآكلة، وعلاقاتٌ فقدت دفئها. غير أن هذه النظرة، رغم شيوعها، تخفي حقيقة أكثر عمقاً وإيلاماً: نحن لسنا ضحايا الزمن بقدر ما نحن صانعو ملامحه، والعيب فينا قبل أن يكون فيه.

حين ننتقد تراجع الأخلاق وانتشار الأنانية، فإننا غالباً ما نتجاهل دورنا الفردي في تكريس هذه الظواهر. نستنكر الكذب، لكننا نلجأ إليه حين يخدم مصالحنا. نندد بالفساد، ثم نبرره في صيغ “عملية” حين يسهّل لنا طريقاً أو يرفع عنا عناءً. نغضب من الظلم، غير أننا نصمت عندما لا يمسّنا مباشرة. بهذا المعنى، لا يكون الزمن سوى مرآة تعكس سلوكنا الجماعي، بوضوح لا يرحم.

وفي خضم التحولات الرقمية، يتعالى صوت الحنين إلى زمن العلاقات الصادقة واللقاءات الإنسانية الدافئة. نلوم التكنولوجيا لأنها أفرغت التواصل من معناه، لكنها في الحقيقة لم تفعل سوى كشف اختياراتنا. نحن من استبدلنا الحوار الحي برسائل مقتضبة، ونحن من سمحنا للشاشات بأن تزاحم إنسانيتنا. لم تُفسدنا الوسائل الحديثة بقدر ما كشفت هشاشتنا في التمسك بالقيم.

أما في الشأن العام، فنجد أنفسنا ننتقد السياسة والاقتصاد والإعلام، ونحمّلها مسؤولية الإخفاقات المتراكمة. غير أن هذه المجالات ليست كيانات معزولة، بل هي امتداد لسلوك المجتمع. حين ينسحب المواطن من المشاركة، أو يختزل دوره في التذمر، أو يساوم على مبادئه مقابل مكاسب آنية، فإنه يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج الواقع الذي يشتكي منه.

لا يعني ذلك إنكار صعوبة المرحلة أو تجاهل التحديات الموضوعية التي يفرضها كل عصر، فلكل زمن أزماته واختباراته. لكن الفارق الحقيقي بين مجتمع يتقدم وآخر يتعثر يكمن في القدرة على الاعتراف بالمسؤولية. فالإصلاح لا يبدأ بتغيير الزمن، بل بتغيير الإنسان، ولا يُستورد من الماضي، بل يُبنى بالفعل اليومي والسلوك الواعي.

إن مقولة “نعيب زماننا والعيب فينا” ليست تعبيراً عن جلد الذات بقدر ما هي دعوة صريحة للمراجعة. دعوة لأن يسائل كل فرد نفسه: ماذا أضفتُ لهذا الزمن؟ هل كنتُ جزءاً من الحل أم من المشكلة؟ هل مارست القيم التي أطالب بها، أم اكتفيت بانتقاد غيابها؟

حين نمتلك شجاعة طرح هذه الأسئلة، يتغير المنظور. لم يعد الزمن خصماً نلعنه، بل مسؤولية نتحملها. وعندها فقط، يمكن أن يتحول النقد من مجرد شكوى إلى بداية فعل حقيقي، ونكفّ عن عيب زماننا، لأننا نكون قد بدأنا فعلاً في إصلاح ما فينا.

غير أن الطريق نحو هذا الإصلاح الذاتي ليس سهلاً ولا سريعاً، إذ يتطلب قدراً من الصدق مع النفس، وقدرة على مواجهة الأخطاء دون تبرير أو إسقاط على الآخر. فالمجتمعات لا تتغيّر بالشعارات ولا بالحنين إلى ماضٍ مثالي، بل بإرادة واعية تبدأ من الفرد وتمتد إلى الجماعة. كل سلوك يومي، مهما بدا بسيطاً، يساهم في تشكيل صورة أوسع: احترام القانون، إتقان العمل، الصدق في المعاملة، والالتزام بالمسؤولية… كلها لبنات صغيرة في بناء زمن أفضل.

كما أن التربية تلعب دوراً حاسماً في كسر هذه الحلقة المفرغة من التذمر دون فعل. فحين ينشأ الجيل الجديد على ثقافة إلقاء اللوم على “الظروف” و”الزمن”، فإنه يعيد إنتاج العقلية ذاتها، ويؤجل التغيير إلى أجل غير مسمى. أما حين يُربّى على المبادرة وتحمل المسؤولية، فإنه يدرك أن بإمكانه، مهما كان موقعه، أن يكون فاعلاً لا متفرجاً.

وفي هذا السياق، يصبح للإعلام والثقافة دور محوري، ليس فقط في نقل الواقع، بل في إعادة تشكيل الوعي به. فبدل الاكتفاء بتغذية خطاب السخط والتشاؤم، يمكن لهذه الوسائط أن تبرز النماذج الإيجابية، وتُعيد الاعتبار لقيم العمل والنزاهة والتضامن، وتؤكد أن التغيير ممكن حين تتوفر الإرادة.

إن أخطر ما في مقولة “فساد الزمان” ليس مضمونها، بل ما قد تجرّه من استسلام خفي، يجعل الإنسان يبرّر تقاعسه بحجة أن “الأمور أكبر منه”. والحقيقة أن التاريخ مليء بأفراد ومجتمعات رفضت هذا المنطق، ونجحت، رغم الظروف، في إحداث التحول. لم ينتظروا زمناً مثالياً، بل صنعوا من واقعهم فرصة للإصلاح.

لا يمكن فصل الإنسان عن زمنه، ولا تبرئة أحدهما على حساب الآخر. فالعلاقة بينهما علاقة تأثير متبادل: نحن نتأثر بظروف عصرنا، لكننا أيضاً نؤثر فيه، سلباً أو إيجاباً. لذلك، فإن أول خطوة نحو زمن أقل عيباً، هي أن نكون نحن أقل عيباً.

وعندما نصل إلى هذه القناعة، تتغيّر طريقة نظرنا إلى العالم. لا نعود أسرى خطاب الشكوى، بل نصبح شركاء في صناعة الأمل. وحينها فقط، قد نستحق زمناً أفضل… لأننا بدأنا نكون أفضل.

الاخبار العاجلة