زيادات محتملة تضع الأسعار تحت المجهر
بين ارتفاع تكاليف الطاقة وهاجس الحفاظ على القدرة الشرائية، يطفو من جديد ملف تسعيرة الحمّامات التقليدية بالمغرب، وسط دعوات إلى عدم تحميل المواطنين وحدهم فاتورة الغلاء، وضرورة إخضاع أي زيادة محتملة لمعايير واضحة ومبررات موضوعية.
لم يعد الحديث عن احتمال رفع أسعار الاستحمام داخل الحمّامات التقليدية مجرد نقاش عابر بين المهنيين والزبائن، بل أصبح موضوعاً يثير تساؤلات بشأن حدود الزيادات المقبولة، ومدى ارتباطها فعلياً بارتفاع تكاليف التشغيل، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجهها القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وفي خضم تداول أنباء عن إمكانية لجوء بعض أرباب الحمّامات إلى مراجعة تسعيراتهم، دخل المرصد المغربي لحماية المستهلك على خط النقاش، مؤكداً أنه يتابع الموضوع في انتظار اتضاح المعطيات، مع التشديد على أن الأمر لا يزال يتعلق بزيادة محتملة، وليس بقرار مؤكد أو إجراء معمّم على مختلف الحمّامات.
يتفهم المرصد الإكراهات التي يواجهها المهنيون، وما قد يترتب عن ارتفاع أسعار الحطب والمحروقات من أعباء إضافية تهدد توازن بعض الأنشطة واستمراريتها، لكنه يعتبر أن هذه الصعوبات لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى مبرر لرفع الأسعار دون توضيحات دقيقة بشأن حجم الزيادة الفعلية في تكاليف التشغيل.
فبين حق المهني في تغطية مصاريفه وضمان استمرارية مشروعه، وحق المواطن في خدمات بأسعار معقولة، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة تمنع الإضرار بأي طرف، وتضع حداً لكل زيادة لا تستند إلى معطيات قابلة للتفسير والتحقق.
وتكمن حساسية هذا الملف في الطبيعة الاجتماعية للحمّام التقليدي، الذي لا يمثل مجرد فضاء للاستجمام أو الترفيه، بل يشكل بالنسبة إلى شرائح واسعة من المغاربة مرفقاً أساسياً للنظافة الشخصية، خصوصاً لدى الأسر التي لا تتوفر مساكنها على تجهيزات مناسبة للاستحمام.
ومن هذا المنطلق، فإن أي زيادة في التسعيرة قد تنعكس بصورة مباشرة على ميزانيات الأسر محدودة الدخل، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة المواطنين على مواصلة الاستفادة من خدمة ترتبط باحتياجاتهم اليومية، في وقت أصبحت فيه مصاريف المعيشة تستنزف جانباً مهماً من دخولهم.
وشدد المرصد المغربي لحماية المستهلك على ضرورة ربط أي مراجعة محتملة للأسعار بمعطيات فعلية، مع مراعاة خصوصية كل حمّام ومصادر الطاقة التي يعتمد عليها، بدل اعتماد زيادات موحدة لا تأخذ بعين الاعتبار اختلاف تكاليف التشغيل بين المؤسسات.
كما دعا إلى تكريس مبدأ الشفافية في التعامل مع الزبائن، من خلال الإعلان الواضح عن التسعيرة قبل الولوج إلى الحمّام، وتحديد الخدمات التي يشملها الثمن، حتى لا يجد المستهلك نفسه أمام مبالغ غير متوقعة عند الأداء.
فوضوح الأسعار ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل شرط أساسي لبناء الثقة بين المهني والمستهلك، وتفادي الممارسات التي قد تثير خلافات أو تضع الزبون أمام أمر واقع لا يملك بشأنه معلومات كافية.
ودعا المرصد المهنيين إلى التريث قبل اتخاذ أي قرار بشأن الأسعار، وفتح قنوات الحوار مع الجهات المعنية وممثلي المستهلكين، بحثاً عن حلول عملية لتقليص تكاليف الطاقة والتخفيف من انعكاساتها على الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما طالب السلطات المختصة بمواكبة هذا الملف، وتعزيز مراقبة شفافية الأسعار، والتأكد من احترام شروط النظافة والسلامة، مع رصد أي ممارسات قد تمس بحرية المنافسة أو تضر بمصالح المستهلكين.
ويظل التحدي المطروح هو إيجاد صيغة تضمن استمرار الحمّامات التقليدية في أداء دورها الاجتماعي والاقتصادي، دون أن يصبح المواطن الحلقة الأضعف في مواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل.
وفي انتظار اتضاح الصورة بشأن الزيادات المتداولة، دعا المرصد المغربي لحماية المستهلك المواطنين إلى تقاسم تجاربهم حول أسعار الحمّامات في مدنهم، ومدى وضوح التسعيرات المعتمدة، بما يساهم في تكوين صورة واقعية عن تطورات هذا القطاع.
كما شدد على ضرورة التمييز بين الزيادات التي جرى تطبيقها فعلياً والأخبار التي لا تزال في نطاق الاحتمال، تفادياً لترويج معطيات غير مؤكدة.
وبين مبررات المهنيين ومخاوف المستهلكين، يبقى المطلوب تدبير هذا الملف بمنطق المسؤولية والشفافية، لأن ضمان استمرارية الحمّامات التقليدية وحماية القدرة الشرائية للمغاربة ليسا هدفين متعارضين، بل مسؤولية مشتركة تقتضي حلولاً منصفة وأسعاراً مبررة وخدمات تحترم صحة المواطن وكرامته.










