مستجدات

انسحاب النيجر من مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يُشعل التوترات مع الجزائر وتبون يُحذر

[TOUTES LES ACTUALITÉS]29 أبريل 2025
انسحاب النيجر من مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يُشعل التوترات مع الجزائر وتبون يُحذر

هاشم الخياطي

في تطور مفاجئ، أعلنت النيجر انسحابها من مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، المشروع الضخم الذي كان يُعوّل عليه لربط حقول الغاز النيجيرية عبر النيجر إلى الجزائر، ومنها إلى السوق الأوروبية. هذا القرار المفاجئ وُصف بضربة قوية لآمال تعزيز الشراكة الطاقوية بين دول المنطقة ولجهود الجزائر الرامية إلى تنويع مصادر إمدادات الغاز نحو أوروبا، خاصة في ظل الطلب المتزايد بعد أزمة الطاقة العالمية.

الانسحاب جاء وسط تصاعد التوترات السياسية والدبلوماسية بين نيامي والجزائر، حيث تبادلت العاصمتان رسائل متوترة في الأسابيع الأخيرة. في هذا السياق، علّق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بلهجة حادة قائلاً إن النيجر “خرجت عن الاتفاقيات المبرمة وعليها تحمّل تبعات قرارها”، محذراً من تداعيات خطيرة قد تمس مستقبل العلاقات بين البلدين.

ويرى مراقبون أن انسحاب النيجر قد تكون له أبعاد سياسية تتجاوز الجانب الاقتصادي، خاصة في ظل التحولات الإقليمية التي تشهدها منطقة الساحل والتقارب الجديد لبعض دوله مع أطراف دولية أخرى بعيداً عن الفضاء المغاربي التقليدي. ويطرح هذا التطور تساؤلات عن مصير مشروع أنبوب الغاز، الذي لطالما اعتبر رمزاً للتكامل الإفريقي ومشروعاً استراتيجياً لمواجهة الهيمنة الطاقوية.

في المقابل، تسعى الجزائر إلى احتواء تداعيات الانسحاب عبر تعزيز تعاونها مع نيجيريا مباشرة، وسط حديث عن إمكانية إعادة رسم خارطة المشروع أو البحث عن بدائل أخرى تضمن استمراريته، ولو في صيغة معدلة. كما لم تستبعد مصادر مطلعة أن تلجأ الجزائر إلى خطوات تصعيدية دبلوماسية أو اقتصادية إذا استمر موقف النيجر دون تراجع.

يبقى مستقبل أنبوب الغاز العابر للصحراء معلقاً في ظل هذه المستجدات، بانتظار ما ستسفر عنه التحركات السياسية القادمة بين الجزائر وشركائها الإقليميين.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، لم يتأخر في الرد، حيث شدد في تصريحات رسمية على أن انسحاب النيجر يمثل “خروجاً عن الاتفاقيات المبرمة”، محذراً من أن “الطرف الذي يتخلى عن التزاماته الدولية عليه أن يتحمل كافة التبعات السياسية والاقتصادية لهذا القرار”. وأضاف تبون أن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي مساس بمصالحها الحيوية، معتبراً المشروع “أمراً استراتيجياً لا مجال للتهاون فيه“.

مع انسحاب النيجر، يواجه مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء تحديات غير مسبوقة. وتحدثت مصادر مطلعة عن احتمال قيام الجزائر ونيجيريا بإعادة صياغة مسار الأنبوب لي bypass النيجر، أو الانفتاح على خيارات بديلة مثل تعزيز الشراكة مع دول أخرى مجاورة. كما يُطرح خيار تسريع مشاريع الربط الطاقوي البحري، رغم ما تتطلبه من استثمارات ضخمة وفترات تنفيذ طويلة.

في الجانب الأوروبي، تتابع العواصم المعنية تطورات الملف بقلق بالغ، إذ يشكل المشروع أحد البدائل المهمة لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وهو ما يكسبه أبعاداً استراتيجية تتجاوز القارة الإفريقية.

بينما تتشابك العوامل السياسية والاقتصادية، يظهر أن قرار النيجر قد يفتح فصلاً جديداً من التوتر في منطقة الساحل والصحراء، حيث يتقاطع أمن الطاقة مع رهانات السيادة والتحالفات الإقليمية. ورغم الانتكاسة الحالية، يبدو أن الجزائر مصممة على الدفاع عن مصالحها الطاقوية، سواء عبر هذا المشروع أو عبر بدائل أخرى تضمن لها الحفاظ على دورها كلاعب أساسي في سوق الطاقة العالمية.

يشكل انسحاب النيجر من مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء تحدياً مباشراً ليس فقط للجزائر، بل أيضاً لأوروبا التي كانت تعول على هذا المشروع كجزء من استراتيجيتها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. مع تجميد المشروع أو تعثره، قد تجد الدول الأوروبية نفسها مضطرة للبحث عن بدائل أخرى، بعضها قد يكون مكلفاً وغير مضمون النتائج، خاصة أن مشروعات الطاقة تحتاج لسنوات طويلة قبل دخولها حيز التنفيذ.

أما بالنسبة للجزائر، فإن هذا التطور يضع ضغوطاً إضافية على سياستها الطاقوية التي تسعى إلى تثبيت موقعها كمورد موثوق للطاقة. من المتوقع أن تدفع هذه الأزمة الجزائر إلى تسريع خططها لتطوير البنية التحتية لزيادة إنتاج الغاز المسال (LNG) وتعزيز مشاريع تصدير الغاز عبر خطوط أنابيب قائمة مثل أنبوب “ميدغاز” الرابط مع إسبانيا. كما قد تلجأ الجزائر إلى توثيق التعاون مع دول أخرى في القارة، مثل مالي أو تشاد، لتعويض غياب النيجر، أو حتى التفكير في حلول تقنية أكثر تطوراً عبر الربط البحري المباشر.

على الصعيد الداخلي، ستكون الجزائر مطالبة بتسريع إصلاحات قطاع الطاقة وتعزيز الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال، لضمان بقاء موقعها الريادي في السوق العالمية، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة من منتجين جدد في إفريقيا والشرق الأوسط.

أما خارجياً، فإن التصعيد مع النيجر قد يعقد وضع الجزائر الإقليمي في منطقة الساحل، وهي منطقة حيوية لاستراتيجيتها الأمنية. ومع تشابك الملفات الأمنية بالطاقة، سيكون على الجزائر إدارة هذه المرحلة بدقة عالية، لتجنب انزلاق الأمور إلى مزيد من التوتر أو فقدان حلفاء إقليميين آخرين.

انسحاب النيجر من مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء ليس مجرد خطوة تقنية أو اقتصادية، بل هو حدث استراتيجي قد يعيد رسم خريطة التحالفات والمصالح في المنطقة بأسرها. أمام الجزائر تحدٍ كبير: إما أن تنجح في احتواء التداعيات وتأمين بدائل عملية، أو تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة الكثير من حساباتها الطاقوية والسياسية في المستقبل القريب.

الاخبار العاجلة