لم يعد الجرس يقرع في أذني كما كان، لكن صدى صوته ما يزال يهز الذاكرة. منذ أشهر فقط، سلمت مفاتيح القسم، طويت آخر صفحة من دفتر التحضير، وودعت مقعدا احتضنني لأكثر من ثلاثين سنة. اليوم، أكتب كمتقاعد، لا من الوظيفة فقط، بل من حياة كانت تشكل هويتي، وامتداد يومي.
حين تترجل من قطار التعليم، لا تترجل وحيدًا. تحمل معك دفاتر ممتلئة بالقصص، وجوه التلاميذ الذين أصبح بعضهم آباء، وربما زملاء. تحمل أيضا نظرات الامتنان، وبعض الجحود، ضحكات الصباح، ومرارة بعض المساءات حين تشعر أنك تعلّم في وادٍ، والواقع في وادٍ آخر.
في بداية المسار، كنت أظن أنني سأغير العالم، أو على الأقل أضيء عتمته. كانت الحماسة تأكلني، وكانت سبورة القسم ساحة حرب أخوضها من أجل الفهم لا النصر، من أجل العقل لا العلامة. أما اليوم، فأتساءل في صمت: من غيّر الآخر؟ أنا أم التعليم؟
ليس التقاعد هروبا، بل وقفة. أقف الآن لأعيد قراءة مساري. تلاميذي كانوا مرآتي، يعكسون شغفي كما يعكسون ضعفي. كم مرة رجعت إلى البيت مهزوما، لا بسببهم، بل بسبب منظومة ترهق المعلم، وتطالبه بأن يكون مصلحًا نفسيًا، ومساعدًا اجتماعيا، ووسيطا تربويًا، دون أن تمنحه حتى وقتا كافيا ليراجع درسا أو يرتاح من ضغوطه.
ورغم ذلك، أحببت مهنتي، لأنها كانت أكبر من مجرد وظيفة. التعليم منحني المعنى، وجعل كل صباح بداية جديدة. وها أنا اليوم أتعلم من جديد، كيف أعيش بلا جرس، بلا اجتماع مجلس، بلا امتحانات. أتعلم أن أكون حاضرا، لا في دفتر النصوص، بل في ذاكرة من عبروا من أمامي صغارا.
لعل أجمل هدية للمعلم المتقاعد، ليست التهاني الرسمية، ولا شهادة التقدير، بل رسالة عابرة من تلميذ يقول فيها: “أستاذي، لم أنس كلماتك”. تلك الكلمات التي ربما نطقتها عفوًا ذات يوم، لكنها بقيت تسكنه دهرا.
أنا اليوم متقاعد، نعم. لكنني معلم مدى الحياة.
لأن التعليم، حين يكون صدقا، لا يُحال على التقاعد.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورد، بل بالطباشير، وأحيانًا بالغبار والخذلان. كم من إصلاحٍ تعليمي بشّرونا به، فإذا هو كناية عن تبديل الغلاف وتكرار ذات المضمون. وكم من مسؤول زارنا يعدنا بتكوينات ودورات، فإذا بالزمن يمضي ونبقى نحن نحارب بفُتات الموارد وأدوات بائدة.
لكني لا أكتب اليوم لأندب، بل لأتذكّر.
أتذكّر صباحات الشتاء حين نصل قبل التلاميذ، نرتجف من البرد ونرتجف أكثر من الإحساس بالمسؤولية. نتقاسم الخبز والشاي والقلق، ونسير نحو الأقسام كما يسير المزارعون نحو حقولهم، نبذر الكلمات بيد، ونحرس الحروف بالأخرى.
أتذكّر تلك اللحظات العابرة التي كانت تنسيني التعب: ضحكة صادقة، نظرة فهم مفاجئة من تلميذ لم يكن يتكلم، أو سؤال بسيط من تلميذة تقول: “أستاذ كيف صارت الكتابة مهنتك؟”. تلك الأسئلة الصغيرة كانت تؤكد لي أنني لا أعلّم فقط قواعد النحو أو خواص المعادلات، بل أزرع حب الحياة في القلوب.
التقاعد ليس موتًا بطيئًا كما يظنه البعض. بل هو ولادة أخرى، حين تتحول الذاكرة إلى دفتر مفتوح، وحين تصبح حريتك ملكك، لا للجدول الزمني ولا للساحة ولا لمذكرة مستعجلة. أصبح لدي وقت للتأمل، للقراءة، للكتابة، وللجلوس مع الذات التي كانت مؤجلة لسنوات.
لكنني لا أخفي أنني أفتقد القسم. أفتقد ضجيجه، حروبه الصغيرة، عبثه، وحتى تلك المشاكسات التي كانت تغضبني حينها، لكنها الآن تضحكني كلما استحضرتها.
أحيانًا أزور المدرسة القديمة. أكتفي بالمرور قربها. أسترق نظرة من بعيد، فأجد جيلًا جديدًا من المعلمين والمعلمات، يكافحون كما كنا. بعضهم يبتسم لي حين يعرف أنني “الأستاذ فلان ، أستاذ اللغة العربية”، وآخرون يمرون دون أن يعرفوا أنني من بناة هذا الجدار الذي صار جزءً من ذاكرتهم المدرسية.
وربما في نهاية الأمر، هذا هو عزاء المعلم: أن يعرف أنه لا يُنسى، حتى حين تُمحى حروف اسمه من من سجل المديرية ، الوزارة، تبقى محفورة في قلب تلميذ، أو في فكرة زرعها ونمت في مكان ما.
التقاعد من التعليم ليس انسحابًا من المعركة، بل هو التحول إلى شاهد، إلى مؤرخ صغير لذاكرة التعليم. وربما، فقط ربما، إلى حكيم عجوز لا يملك الطباشير، لكنه يملك دواوين القصص.
ورغم كل شيء… لا زلت أحن إلى سبورتي القديمة، إلى كرسيي الذي كان يئن من كثرة “التكوينات المستمرة”، إلى الطباشير الذي كان يتكسر قبل أن أكمل تعريفًا، وكأنه يقول: “كفى، حتى أنا تعبت!”.
أفتقد كذلك اجتماعات المجالس التي كنا نحضرها ونحن نعرف نتيجتها مسبقًا: اقتراحات لا تُنفذ، وملاحظات لا تُقرأ، وملفات تُوضع في الرف يعلوها الغبار في يومها الأول التي وضعت فيه. كل شيء يُناقش، ولا شيء يتغير.
بل وحتى ذلك التلميذ “الموهوب في الهروب”، الذي كان يتخصص في اختراع الأعذار الخارقة: مرة جرفته الفيضانات، ومرة أخرى هاجمته الكلاب في الطريق أو مات أحد أفراد عائلته ونسي وكرر الاعتذار مرة أخرى ! أظن أنه الآن مسؤول كبير في أحد الإدارات، فمهاراته في التملص كانت تؤهله لمسؤوليات أعلى.
لكن رغم هذا الكم من الطرائف والتناقضات، التعليم منحني ما لا يمنحه راتب أو معاش: منحني المعنى، والضحكة، والانتماء. الآن، أنا أتنقل بين المقاهي لا لأعدّ التحاضير، بل لأعدّ الذكريات، وأجالس أصدقاء مثلي، بعضهم يحكي عن سنوات الجفاف في السلم العاشر، أو الراتب الهزيل أو المرض المتفشي وبعضهم ما زال يسأل: “هل فعلاً تقاعدنا؟ أم أننا في عطلة طويلة؟“
وفي كل لقاء، نضحك. نضحك كثيرًا، لأننا نعرف أننا خضنا معركة شريفة، وخرجنا منها بجباه عالية وإن كانت مثقلة بالشيب.
في النهاية، قد أكون متقاعدًا من القسم،
لكنني أستاذ… إلى الأبد.
حتى لو لم يسمعني أحد، هناك جيل ما يزال يتذكرني ، يذكرني أني كنت وسأضل أستاذه يعيد ما كنت أنصحه به ،ولو في قلبه.










