مستجدات

الدعم المدرسي بين النية التربوية والواقع الميداني.. حين يتحول الجسر إلى عبء

طاقم ALLNEWS17 أكتوبر 2025
الدعم المدرسي بين النية التربوية والواقع الميداني.. حين يتحول الجسر إلى عبء

 

هاشــم الخياطــي

تواجه قضية الدعم المدرسي، التي يفترض أن تكون إحدى أهم آليات تحقيق تكافؤ الفرص في التعليم، سلسلة من الصعوبات الميدانية تجعلها في كثير من الأحيان مجرد إجراء شكلي لا يرقى إلى مستوى الأهداف التي رُسمت له. فعلى الرغم من وضوح الفلسفة التي يقوم عليها هذا الدعم، المتمثلة في مساعدة المتعلمين المتعثرين على تجاوز صعوباتهم الدراسية، فإن التطبيق العملي يكشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب التربوي والواقع المدرسي.

يرى عدد من الباحثين في علوم التربية أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الدعم ذاته، بل في غياب رؤية متكاملة تؤطره. فالكثير من المؤسسات التعليمية تُنظِّم حصص الدعم بطريقة تقليدية، لا تراعي الفروقات الفردية بين المتعلمين، ولا تستند إلى تشخيص دقيق لمواطن الضعف. وهو ما يجعل العملية أشبه بتكرار لما تم تدريسه سابقاً دون جدوى تُذكر.

ولمعالجة هذه الوضعية، يشدد الخبراء على ضرورة اعتماد مقاربة شمولية ترتكز على أربعة محاور أساسية.
أولاً، تكوين الأساتذة في تقنيات التشخيص التربوي وأساليب الدعم الفردي، باعتبارهم الحلقة الأهم في إنجاح العملية.
ثانياً، إدماج التكنولوجيا التربوية عبر منصات رقمية لتتبع التعلمات، تتيح للأساتذة رصد تطور أداء المتعلمين بدقة، وللأسر فرصة مواكبة مسار أبنائهم.
ثالثاً، تخصيص موارد مالية قارة تضمن استمرارية البرامج الميدانية للدعم، بعيداً عن الحلول الظرفية أو المبادرات المحدودة.
وأخيراً، إشراك الأسر وجمعيات المجتمع المدني في تتبع حالات التعثر، بما يعزز التكامل بين المدرسة ومحيطها الاجتماعي.

إن الدعم المدرسي ليس مجرد حصص إضافية أو جدول زمني موازٍ، بل هو مشروع تربوي متكامل يهدف إلى إنصاف المتعلمين وتمكينهم من حقهم في التعلم. ومن دون إرادة مؤسساتية جادة ورؤية مندمجة بين مختلف الفاعلين، سيظل هذا الجسر المأمول نحو تكافؤ الفرص معلّقاً بين النوايا الطيبة وواقع التنفيذ الصعب.

ولعل ما يزيد من تعقيد المشهد، أن بعض المؤسسات التعليمية تنظر إلى حصص الدعم المدرسي كـ”واجب إداري” أكثر منه مشروعا تربويا ذا أهداف دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس. فتُدرج هذه الحصص في جداول التوقيت الأسبوعية دون إعداد مسبق أو تتبع لاحق، لتتحول العملية برمتها إلى روتين بيروقراطي يفتقر إلى روح التجديد والمبادرة.

وفي المقابل، تشير تجارب ناجحة في عدد من المؤسسات النموذجية إلى أن الدعم الفعّال يبدأ من التشخيص الفردي لحاجيات المتعلمين، مروراً ببناء خطط علاجية دقيقة، وصولاً إلى التقييم المرحلي والمستمر. كما أن توظيف الوسائل الرقمية، مثل التطبيقات التفاعلية ومنصات التعليم المدمج، مكّن العديد من التلاميذ من تجاوز تعثراتهم بطرق ممتعة ومحفّزة، خصوصاً عندما يتم دمج الأسرة في العملية التعليمية بشكل فعلي.

من جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي لمنظومة الدعم دون تثمين مجهودات الأساتذة وتوفير الظروف الملائمة لهم. فالمعلم الذي يشتغل في أقسام مكتظة، بوسائل محدودة، وبدون تحفيزات واضحة، لا يمكن أن يُنتظر منه أداء دور الموجّه النفسي والتربوي في آن واحد. إن الاستثمار في تكوينه وتحفيزه مادياً ومعنوياً هو المدخل الأساسي لأي نهضة تعليمية منشودة.

إن مستقبل الدعم المدرسي في المغرب، كما يرى التربويون، يتوقف على الانتقال من منطق المبادرة الظرفية إلى منطق السياسة العمومية المستدامة. أي أن يصبح الدعم جزءاً أصيلاً من المنهاج الدراسي، له موارده، وآلياته، ونظام تقييمه الخاص. فالتلميذ المتعثر اليوم، إذا لم يجد من يرافقه علمياً وتربوياً، قد يتحول غداً إلى شاب فاقد للثقة في قدراته، وهو ما يشكل خسارة لا تُقاس فقط بالدرجات، بل برأسمال بشري مهدور كان يمكن أن يكون ركيزة في بناء الوطن.

وفي نهاية المطاف، تبقى قضية الدعم المدرسي مرآة تعكس بوضوح مدى التزام المجتمع برهانه على التعليم كقضية وطنية كبرى. فإذا تم التعامل معها بالجدية والعمق اللازمين، يمكن أن تتحول من مجرد مشروع إداري إلى رافعة حقيقية للإنصاف والارتقاء الاجتماعي. أما إذا ظلت حبيسة الخطابات والتقارير، فإن الجسر الذي أُريد له أن يربط المتعلمين بفرص النجاح سيظل مهدداً بالانهيار تحت ثقل الإهمال وضعف الرؤية.

الاخبار العاجلة