هاشــم الخياطــي
الآباء غارقون في الانشغال.. والمكتبات خاوية.. والملاعب والمسارح تنتظر أطفالاً لا يأتون!
هناك معركة صامتة تجري أمام أعيننا كل يوم، لكننا نتعامل معها وكأنها لا تعنينا.
أطفال وشباب يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف، بينما المكتبات العمومية فارغة، والملاعب تستغيث بالرواد، ودور الشباب والثقافة تبحث عن من يطرق أبوابها!
ثم نستيقظ فجأة لنشتكي من تراجع القراءة، وضعف الإبداع، وتفشي الفراغ، وإدمان الشاشات، وتراجع الاهتمام بالرياضة والثقافة والفنون.
لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا فعلنا قبل أن يصل أبناؤنا إلى هذه المرحلة؟
أب.. أم.. هاتف.. وانتهت التربية؟
من أخطر الأخطاء أن تتحول التربية إلى مجرد توفير المأكل والملبس والدراسة.
الطفل يحتاج إلى من يجلس معه، يحاوره، يقرأ له، يكتشف اهتماماته، ويأخذ بيده نحو ما يمكن أن يصنع منه إنساناً متوازناً.
لا يمكن أن نطالب أبناءنا بالقراءة ونحن لا نضع كتاباً في أيديهم!ولا يمكن أن نطالبهم بالرياضة ونحن لا نعرف أين توجد أقرب منشأة رياضية.ولا يمكن أن نكتشف مواهبهم بعدما يقضون طفولتهم وشبابهم في استهلاك محتوى لا نهاية له على الهاتف.
المكتبات موجودة.. فأين الأطفال؟
هذه واحدة من أكثر المفارقات إثارة للقلق.مكتبات عمومية توجد في عدد من المدن، وكتب موضوعة على الرفوف، وفضاءات مخصصة للقراءة، لكن الإقبال لا يعكس حجم الحاجة.كتب تنتظر قارئاً.. وقارئ صغير ينتظر من يكتشفه!
المشكلة ليست دائماً في الطفل.
أحياناً المشكلة في أننا لم نعلمه أن الكتاب يمكن أن يكون متعة، ولم نخلق حول القراءة ثقافة وحماساً ومنافسة.
يجب أن تتحول المكتبة إلى مكان حي، إلى فضاء يضم مسابقات القراءة، ولقاءات الأطفال، وورشات الكتابة والرسم والحكي، لا مجرد قاعة هادئة مليئة بالرفوف.
الموهبة قد تكون أمام أعيننا.. ونحن لا نراها!
كم من طفل كان يمكن أن يصبح رياضياً أو موسيقياً أو فناناً أو ممثلاً أو كاتباً، لكن أحداً لم يسأله يوماً: ماذا تحب؟على الآباء أن يتلمسوا مكامن الهوايات لدى أبنائهم.وليس كل طفل مشروع مهندس أو طبيب أو موظف.
هناك من خُلق للرياضة، ومن يملك أذناً موسيقية، ومن يمتلك موهبة في الرسم، ومن يتألق فوق خشبة المسرح، ومن يجد نفسه في البرمجة والتكنولوجيا، ومن يبرع في الكتابة والتصوير.
الموهبة لا تحتاج إلى محاضرة.. تحتاج إلى فرصة!
الملاعب والمعاهد والمسارح موجودة.. لكن من يفتح الأبواب؟
الأندية الرياضية موجودة في أغلب المدن المغربية، والمعاهد الموسيقية حاضرة، ودور الثقافة والشباب تضم ورشات مسرحية وفنية.لكن وجود البناية وحده لا يصنع جيلاً مبدعاً.
نحتاج إلى برامج جذابة، وتأطير محترف، ومعدات، ومواكبة، ومسابقات، ودعم حقيقي.
لا تبنوا لنا فضاءات صامتة.. ابنوا لنا فضاءات تنبض بالحياة!
والمجتمع المدني.. أين هو؟لا يكفي أن تنظم بعض الجمعيات نشاطاً موسمياً ثم تختفي.
المطلوب حملات تحسيسية حقيقية تصل إلى الأحياء والمدارس والأسر.
حملات تقول للآباء بوضوح:
اقرؤوا مع أبنائكم.
اكتشفوا مواهبهم.
أبعدوهم عن الفراغ.
خذوهم إلى المكتبات والملاعب والمسارح والمعاهد الموسيقية.
وعلى الجمعيات أن تنزل إلى الميدان، وأن تبحث عن الأطفال الذين لا يجدون من يرشدهم، خصوصاً في الأحياء الهشة والمناطق التي تفتقر إلى الأنشطة الثقافية والرياضية.
الدولة مطالبة بتوفير المال للبناء والتجهيز .. لا بالشعارات! وهنا لا يمكن إعفاء الدولة من مسؤوليتها.
إذا كانت الثقافة والرياضة والشباب أولوية، فعليها أن تظهر هذه الأولوية في الميزانيات والبرامج والمرافق.
مكتبة بلا كتب حديثة لا تصنع قارئاً.
ملعب بلا تجهيز وصيانة لا يصنع رياضياً.
دار شباب بلا برامج وتأطير لا تصنع جيلاً مبدعاً.
ومعهد موسيقي بلا إمكانيات لا يستطيع اكتشاف المواهب.
نريد موارد مالية ولوجيستيكية، وتأطيراً بشرياً، وبرامج وطنية مستمرة، لا مبادرات عابرة تنتهي بانتهاء المناسبة.
لا تتركوا الهاتف يربي أبناءكم! هذه هي الخلاصة التي يجب أن تصل إلى كل بيت.
الهاتف ليس عدواً، والتكنولوجيا ليست شراً، لكن أن يصبح الهاتف المربي الأول للطفل فهذه كارثة تربوية لا ينبغي السكوت عنها.
لا يمكن أن نترك الخوارزميات تختار لأبنائنا ماذا يشاهدون، وماذا يتعلمون، ومن يتابعون، وكيف يفكرون، ثم نشتكي لاحقاً من النتائج.
البديل موجودــ كتاب ــ ملعبب ــ مسرح ــ موسيقى ــ رسم ــ كشافة ــ ثقافة ــ إبداع.
إما أن نملأ وقت أبنائنا بما يبنيهم.. أو سيملؤه غيرنا بما يهدمهم!
هذه ليست معركة وزارة واحدة، ولا مسؤولية الأسرة والمدرسة وحدها.
إنها مسؤولية الأسرة أولاً، ثم المدرسة، والمجتمع المدني، والجماعات الترابية، والدولة.
جيل الغد لا يُصنع ليلة الامتحان، ولا داخل القسم وحده.
جيل الغد يُصنع اليوم داخل البيت والمكتبة والملعب والمسرح ودار الشباب.
والسؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع الآن ليس: لماذا لا يقرأ أبناؤنا؟
بل:ماذا فعلنا نحن حتى يحبوا القراءة؟وليس: لماذا لا يمارسون الرياضة؟
بل:أين أخذناهم ليمارسوها؟وليس: أين اختفت مواهب أبنائنا؟
بل:كم موهبة قتلناها بالإهمال قبل أن نكتشفها؟
لقد حان وقت الاستيقاظ. قبل أن يصبح الهاتف هو المدرسة، والخوارزمية هي المربي، والفراغ هو الذي يقرر مستقبل أبنائنا.









