لا يمكننا حفظ السلام عندما لا يكون هناك سلام للحفاظ عليه
قنبلة سياسية قبل أكتوبر.. الأمين العام للأمم المتحدة يقر بأن قوات حفظ السلام لا مكان لها حيث لا يوجد سلام، فيما تستعد «المينورسو» لموعد جديد مع مجلس الأمن وسط واقع ميداني تغيّر جذرياً منذ خرق وقف إطلاق النار سنة 2020.
في تصريح يفتح الباب على مصراعيه أمام إعادة طرح مستقبل بعثات الأمم المتحدة، وعلى رأسها بعثة «المينورسو» في الصحراء المغربية، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عبارة شديدة الدلالة: «لا يمكننا حفظ السلام عندما لا يكون هناك سلام للحفاظ عليه».
تصريح غوتيريش يأتي في توقيت بالغ الحساسية، قبل أسابيع من بحث مجلس الأمن الدولي، شهر أكتوبر المقبل، في ملف تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، التي توجد بالمنطقة منذ سنة 1991.
والأهم في كلام الأمين العام أنه لم يكتف بالدفاع عن استمرار عمليات حفظ السلام، بل وضع لها شرطاً واضحاً، مؤكداً أنها «لا ينبغي نشرها إلا عندما يكون هناك اتفاق سلام، أو على الأقل وقف إطلاق نار متين».
وهنا تحديداً تبرز حساسية الرسالة بالنسبة إلى ملف الصحراء، بعدما تغيرت المعطيات الميدانية بشكل كبير منذ سنة 2020، إثر خرق جبهة البوليساريو لاتفاق وقف إطلاق النار في 13 نونبر من السنة نفسها، وفق المعطيات التي يوردها الجانب المغربي.
هل تغيرت قواعد اللعبة؟
كلام غوتيريش يعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل مطروحاً بقوة خلال السنوات الأخيرة: ماذا تفعل بعثة لحفظ السلام عندما يصبح السلام نفسه غائباً أو هشاً؟
فالبعثات الأممية لم تُنشأ لتكون بديلاً دائماً عن الحلول السياسية، ولا لتتحول إلى غطاء لإدارة نزاعات مفتوحة إلى أجل غير مسمى.
ولهذا دعا الأمين العام إلى الانتقال نحو عمليات حفظ سلام أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة، مدعومة بتكنولوجيا أفضل وآليات أكثر تطوراً في التخطيط، في ظل الضغوط المالية التي تواجه الأمم المتحدة وتقليص الميزانيات وأعداد العسكريين والشرطة المشاركين في هذه المهام.
لكن الرسالة الأهم كانت سياسية بامتياز.
غوتيريش يدفع بالحل السياسي إلى الواجهة
الأمين العام للأمم المتحدة شدد على ضرورة إعطاء الأولوية للوقاية من النزاعات والوساطة والحل السلمي للخلافات، مع تعزيز المساعي الحميدة التي يقوم بها الأمين العام ومبعوثوه والمكاتب الإقليمية للأمم المتحدة.
وبذلك، يبدو أن الأمم المتحدة تريد إعادة ترتيب وظيفة بعثات حفظ السلام: من مجرد وجود ميداني طويل الأمد إلى أداة تخدم مساراً سياسياً واضحاً.
وهذا التوجه يضع «المينورسو» أمام واقع جديد، خصوصاً أن البعثة تعمل في بيئة لم تعد تشبه تلك التي كانت قائمة عند إنشائها سنة 1991.
المينورسو أمام اختبار أكتوبر
ومع اقتراب موعد مناقشة مجلس الأمن لتمديد ولاية «المينورسو»، ستصبح تصريحات غوتيريش جزءاً مهماً من النقاش حول طبيعة المهمة ومستقبلها.
فإذا كانت عمليات حفظ السلام، وفق رؤية الأمين العام، تحتاج إلى اتفاق سلام أو وقف إطلاق نار متين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى متى يمكن لبعثة أممية أن تواصل أداء مهمة «حفظ السلام» في بيئة ميدانية تغيرت قواعدها؟
ولا يعني تصريح غوتيريش، في حد ذاته، إعلاناً عن إنهاء «المينورسو» أو تغيير ولايتها، لكنه يسلط الضوء على مبدأ أممي أساسي: البعثات الأممية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لخدمة السلام والحل السياسي.
رسالة سياسية تتجاوز حدود البعثات الأممية
غوتيريش دعا كذلك إلى أن تركز ولايات عمليات حفظ السلام على المجالات التي تتمتع فيها الأمم المتحدة بميزة واضحة، خصوصاً على المستويين السياسي والأمني، وعند الضرورة في مجال حماية المدنيين.
وفي قراءة سياسية لهذا التوجه، فإن المنظمة الدولية تبدو أمام محاولة لإعادة تعريف مفهوم حفظ السلام نفسه، في وقت أصبحت فيه النزاعات أكثر تعقيداً، ووقف إطلاق النار أكثر هشاشة، والموارد الدولية أكثر محدودية.
وبالنسبة إلى ملف الصحراء، فإن موعد أكتوبر المقبل سيكون محطة جديدة لاختبار مدى قدرة مجلس الأمن على ملاءمة قراراته مع الواقع الميداني والسياسي المتغير.
فالرسالة التي خرجت من مكتب غوتيريش واضحة وقابلة للتأويل السياسي: لا يكفي أن تكون هناك بعثة لحفظ السلام.. إذا لم يكن هناك سلام أصلاً للحفاظ عليه.
ومن هنا، قد لا تكون معركة أكتوبر مجرد تصويت تقني على تمديد ولاية «المينورسو»، بل نقاشاً أوسع حول جدوى استمرار نموذج كامل من عمليات حفظ السلام في مناطق تغيرت فيها الوقائع، بينما يبقى الحل السياسي هو المخرج الوحيد القابل للاستمرار.









