مستجدات

اعتقال صحفي تونسي يشعل الغضب..

[TOUTES LES ACTUALITÉS]10 سبتمبر 2026
اعتقال صحفي تونسي يشعل الغضب..

حكومة قيس أمام اختبار حرية الصحافة

تونس أمام مشهد يثير أكثر من علامة استفهام: صحفي يُوقف وهو في طريقه إلى استوديو إذاعي للمشاركة في برنامج، ثم يجد نفسه أمام القضاء على خلفية شبهات تتعلق بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال، بينما تتعالى أصوات الصحفيين والحقوقيين محذرة من تضييق متزايد على حرية التعبير. وبينما ترفع السلطات عنوان مكافحة الفساد، يطرح الشارع الإعلامي سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل تحولت محاربة الفساد إلى ذريعة لإخضاع الأصوات المنتقدة؟

واحتج صحفيون تونسيون، الثلاثاء، أمام القطب القضائي في العاصمة تونس، للمطالبة بالإفراج عن الصحفي محمد اليوسفي، في خطوة تعكس اتساع دائرة القلق داخل الوسط الإعلامي إزاء ما يعتبره منتقدون مساراً متصاعداً لتقييد العمل الصحفي واستهداف الأصوات المستقلة والناقدة.

وكان اليوسفي قد أوقف، الجمعة الماضية، أثناء توجهه إلى مقر إذاعة «إكسبراس إف إم» للمشاركة في أحد برامجها، قبل أن يأذن قاضٍ، السبت، بالتحفظ عليه لمدة 48 ساعة على ذمة قضايا تتعلق بشبهات الإثراء غير المشروع وغسل الأموال، وفق ما نقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء عن مصدر قضائي.

ويشغل اليوسفي منصب رئيس تحرير موقع «الكتيبة» الإخباري الاستقصائي، ويُعرف بمواقفه المنتقدة لسياسات الرئيس قيس سعيّد. وقد أثار توقيفه موجة إدانات واسعة، في وقت اعتبرت فيه جهات حقوقية وإعلامية أن طريقة التعامل مع الملف تفرض أسئلة جدية حول حدود استعمال القضاء في القضايا ذات الصلة بالصحافة والنشر.

ولا تكمن الخطورة في فتح تحقيق قضائي بحد ذاته، إذا كانت هناك شبهات تستوجب البحث، وإنما في السياق الذي تجري فيه هذه المتابعات والرسائل التي قد تصل إلى الجسم الصحفي بأكمله. فالدولة التي تريد مكافحة الفساد لا تحتاج إلى إسكات الصحفيين، بل تحتاج إلى إعلام حر قادر على كشف الاختلالات ومساءلة المسؤولين وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

وتجد الحكومة التونسية نفسها، بفعل هذه التطورات، أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية تتجاوز حدود ملف صحفي واحد. فحرية الصحافة ليست امتيازاً تمنحه السلطة متى شاءت وتسحبه متى شاءت، بل هي ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي، كما أن استقلال القضاء لا يكتمل فقط بإصدار الأحكام، وإنما أيضاً بضمان ألا يتحول المسار القضائي إلى مصدر تخويف للصحفيين والمجتمع المدني.

والأكثر إثارة للقلق أن تتزامن هذه القضية مع أجواء عامة يسودها التوتر السياسي والإعلامي، بما يجعل كل متابعة قضائية لصحفي قابلة لأن تُقرأ باعتبارها جزءاً من مناخ أوسع. وهنا تحديداً يصبح على السلطات التونسية أن تقدم للرأي العام أجوبة واضحة ومقنعة حول طبيعة الاتهامات والأدلة التي تستند إليها، بعيداً عن الغموض الذي يغذي الشكوك ويعمق أزمة الثقة.

إن مكافحة غسل الأموال والإثراء غير المشروع قضية جدية ولا ينبغي أن تكون الصحافة غطاءً للإفلات من المساءلة، لكن في المقابل لا يجوز أن تتحول هذه العناوين الثقيلة إلى سلاح لإخضاع الصحفيين. المعادلة بسيطة: إذا كانت هناك أدلة، فليقل القضاء كلمته في إطار محاكمة عادلة وعلنية تضمن جميع الحقوق؛ وإذا كانت القضية مرتبطة فعلاً بممارسة صحفية، فإن الرد الطبيعي في دولة تحترم نفسها هو الحوار والتفنيد والاحتكام إلى القانون، لا خلق مناخ من الخوف.

وفي نهاية المطاف، فإن حكومة قيس سعيّد مطالبة بأن تدرك أن صورة تونس في الداخل والخارج لا تُبنى بالشعارات، وإنما بقدرتها على حماية المؤسسات والحريات واستقلال القضاء. فالدولة القوية لا تخشى الصحفي الذي ينتقدها، والحكومة الواثقة من نفسها لا تعتبر السؤال الصحفي تهديداً، والسلطة التي تؤمن بالقانون لا تحتاج إلى تحويل القضاء إلى جدار يفصلها عن أصوات المجتمع.

أما إذا أصبح الصحفيون يخشون الاعتقال لمجرد انتقاد السلطة، فإن المشكلة لم تعد قضية محمد اليوسفي وحده، بل أصبحت قضية مستقبل الصحافة التونسية برمتها. وهنا سيكون السؤال الأكبر موجهاً إلى الحكومة: هل تريد تونس دولة تحارب الفساد فعلاً، أم دولة تحارب من يتحدث عن الفساد؟

 

الاخبار العاجلة