تصريحات للاستهلاك الداخلي وسط جدل مفاوضات مدريد
في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد داخل مخيمات تندوف، سارعت قيادة جبهة البوليساريو إلى إطلاق تصريحات مضادة، تسعى من خلالها إلى إعادة ترتيب خطابها السياسي وتفادي تداعيات المعطيات التي أثيرت بشأن مسار المفاوضات حول نزاع الصحراء.
وفي هذا السياق، خرج ممثل الجبهة بنيويورك، سيدي محمد عمار، بتصريحات يؤكد فيها رفض الانخراط في أي نقاش لا يضمن، بحسب تعبيره، ما يسمى «حق تقرير المصير». وهي تصريحات تأتي في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن حقيقة مواقف القيادة الانفصالية من المسار السياسي المطروح، وحدود التباين بين خطابها المعلن وما يجري تداوله حول الاتصالات والمفاوضات المرتبطة بملف الصحراء.
وأثار التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، نقاشا واسعا بشأن تطورات هذا الملف، في ظل ما أثير حول مشاركة ممثلين عن الجبهة في لقاءات تفاوضية برعاية أمريكية بالعاصمة الإسبانية مدريد، تناولت، وفق المعطيات المتداولة، تفاصيل عملية مرتبطة بمبادرة الحكم الذاتي المغربية، بما في ذلك ترتيبات المرحلة الانتقالية، وتقاسم الموارد، وإجراءات العفو والمصالحة، فضلا عن قضايا نزع السلاح وتفكيك المليشيات.
وقد فتح تداول هذه المعطيات الباب أمام سجال داخل مخيمات تندوف وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يطرح معارضون لقيادة إبراهيم غالي تساؤلات محرجة بشأن مآل الشعارات التي ظلت الجبهة ترفعها لعقود، ومدى انسجامها مع أي مسار تفاوضي قد يفرض تقديم تنازلات سياسية أو أمنية.
وتكمن حساسية هذه التطورات في أن أي انتقال من الخطاب السياسي العام إلى مناقشة الترتيبات العملية للحل من شأنه أن يضع قيادة الجبهة أمام اختبار صعب، يتمثل في تفسير طبيعة المفاوضات للرأي العام داخل المخيمات، وتوضيح ما إذا كانت تلك اللقاءات تعكس تحولا في المقاربة أم مجرد مشاورات ضمن مسار لم تتضح جميع تفاصيله بعد.
وفي المقابل، تحاول تصريحات سيدي محمد عمار التشديد على تمسك الجبهة بموقفها التقليدي بشأن تقرير المصير، في خطوة يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لإعادة تثبيت الخطوط السياسية المعلنة، وتبديد الانطباعات التي أثارتها الأنباء المرتبطة بمفاوضات مدريد. غير أن فعالية هذا الخطاب تظل رهينة بمدى تقديم توضيحات دقيقة بشأن مضمون اللقاءات، وطبيعة الالتزامات التي نوقشت خلالها، إن وجدت.
كما أعادت الاتصالات المنسوبة إلى وفود الجبهة مع مسؤولين أمريكيين تسليط الضوء على الدور الذي باتت تلعبه واشنطن في الدفع نحو تسوية سياسية للنزاع، وعلى المكانة التي تحتلها المبادرة المغربية للحكم الذاتي في النقاشات المتعلقة بمستقبل الصحراء. ومع ذلك، فإن الجزم بقبول الجبهة بهذه المبادرة أو بتخليها عن مواقفها المعلنة يظل بحاجة إلى معطيات رسمية واضحة تؤكد ذلك.
وبين خطاب التمسك بالشعارات التقليدية وضغوط البحث عن مخرج سياسي، تجد قيادة البوليساريو نفسها أمام تحدي إقناع أنصارها بجدوى المرحلة المقبلة، في وقت لم تعد فيه الأسئلة المتعلقة بمستقبل النزاع مقتصرة على الساحة الدبلوماسية، بل امتدت إلى الداخل، حيث تتزايد الحاجة إلى معرفة حقيقة ما يجري خلف أبواب التفاوض.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي أمام قيادة الجبهة لن يكون في إطلاق تصريحات جديدة، بل في قدرتها على توضيح حقيقة المفاوضات ومضامينها، والإجابة عن الأسئلة التي أثارتها المعطيات المتداولة بشأن مستقبل النزاع. فبين الشعارات المرفوعة والخيارات السياسية المطروحة، تبقى الوقائع الموثقة وحدها كفيلة بتحديد ما إذا كانت هناك بالفعل تحولات جوهرية في موقف الجبهة أم أن الأمر لا يتجاوز سجالا سياسيا وإعلاميا متواصلا.









