بيان بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام
بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام الذي يوافق 10 أكتوبر من كل سنة، تجدد التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان مطلبها الأساسي بإلغاء هذه العقوبة المشينة والمهينة والحاطة من الكرامة الإنسانية في جميع دول العالم، ومن بينها الدول المغاربية. وتسجل التنسيقية بهذه المناسبة استنكارها لاستمرار رفض حكوماتها الانضمام إلى البرتوكول الاختياري الثاني حول إلغاء عقوبة الإعدام الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتتأسف لمواصلة تحفظها على توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بوقف تنفيذها في أفق الغائها، وبالموازاة لا تتوقف محاكمها عن إصدار أحكام بالإعدام. إن هذا الوضع ليطرح ومن جديد أمر إلغاء عقوبة الإعدام من المنظومة الجنائية كأولوية دستورية وحقوقية على كل السلطات والمؤسسات السياسية والتنفيذية والتشريعية والمغاربية، احتراما لدساتيرها ولالتزاماتها أمام المجتمع الحقوقي الوطني والدولي.
إن الحق في الحياة جذر وأساس كل حقوق الانسان. فهو سابق على كل الحقوق الأخرى، وهو الفرضية الأساسية التي تنبني عليها باقي الحقوق، وتشكل السند المؤسس لها، إذ لا معنى ولا قيام للحقوق/ الحريات بدون الحق في الحياة. ولا معنى للحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية إلا على أساس الحفاظ على هذا الحق الأساسي وضمانه وحمايته.
وانطلاقا من هذه الأهمية الحقوقية للحق في الحياة والتي أكدتها المواثيق والعهود الدولية، فإن التنسيقية تلح من جديد على السلطات في الدول المغاربية، وتدعوها إلى اتخاذ القرار السياسي بإلغاء عقوبة الإعدام، في أقرب وقت، ونسخها كليا من كل القوانين الجنائية والمصادقة على نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية ، وعلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتسجل التنسيقية بإيجابية الاتجاه التنازلي في أحكام الإعدام في السنوات الأخيرة في أغلب الدول المغاربية وهو اتجاه يكشف مدى انعدام أية مبررات للإبقاء على هذه العقوبة المشينة.
ففي الجزائر مثلا، لاحظت منظمة العفو الدولية انخفاضا في أحكام الإعدام في الجزائر. ففي عام 2015 سجلت المنظمة 62 حكما، 50 في عام 2016، و27 في عام 2017، و01 في عام 2018، و4 في عام 2019 وحالة واحدة في سنة 2020. كما جمدت الجزائر تنفيذ العقوبة منذ عام 1993، لكن مطالب تعالت خلال الأشهر والسنوات الأخيرة، تطالب بإعادة تفعيلها بحق المتورطين في جرائم اختطاف الأطفال.
أما في تونس فإنّ عدد أحكام الإعدام منذ 2010، قارب 160 حكماً، بين أحكام ابتدائية وأحكام نهائية وباتة، غير أنّ تنفيذها معلّق منذ التسعينيات، لالتزام الدولة أمام الأمم المتحدة بتعليق التنفيذ في اتجاه الإلغاء النهائي للعقوبة.
ورغم تحسّن ظروف معاملة المحكومين بالإعدام بعد الثورة، من خلال السماح لهم بلقاء أهلهم حتى ولو بصورة أقل من باقي السجناء، إلا أنّ طرق معاملتهم تبقى مختلفة، من خلال عزلهم.
أما في المغرب فرغم توصية هيئة الإنصاف والمصالحة، الصادرة منذ 2006، التي التزمت الدولة عبرها بإلغاء عقوبة الإعدام، فإنها بقيت حبرا على ورق، ولا زالت المحاكم تصدر أحكاماً بالإعدام، في تناقض صارخ مع الدستور أيضا، الذي ينص في المادة 20 على أن الحق في الحياة هو أسْمى حقوق الإنسان. مما يجعل من التحفظ الرسمي على إلغاء عقوبة الإعدام من القانون الجنائي المغربي وكافة القوانين، بعد مضي 26 سنة على تجميد تنفيذها وإدراج المادة 20 في الدستور موقفا غير مفهوم وغير مبرر .
أما في موريتانيا فمن خلال الاستعراض الدوري الشامل (UPR) في 19 يناير 2021، تلقت موريتانيا أكثر من 250 توصية من ما يقرب من 100 دولة عضو في الأمم المتحدة بشأن قضايا تشمل الحق في الحياة. وحثت عدة دول موريتانيا على إلغاء عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم، بينما أوصت دول أخرى، بالتصديق على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (OP2-ICCPR)، الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام. مع ملاحظة أن الدولة تلتزم بوقف فعلي لتنفيذ العقوبة منذ عام 1987. لذا فإن التنسيقية تنخرط مع الحركة الحقوقية العالمية في مطالبتها للحكومة الموريتانية “النظر في بدء إجراءات لإلغاء عقوبة الإعدام، وتخفيف أحكام السجناء المحكوم عليهم بالإعدام حاليًا إلى السجن، وإزالة جميع المراجع إلى الرجم باعتباره طريقة للإعدام “.
بالنسبة للقطر الليبي، الذي لازال الوضع السياسي والأمني به متدهورا، فإن حالات القتل والاختفاء القسري وتنفيذ أحكام الإعدام بعيداً عن سلطة القانون، وسيادة الإفلات من العقاب ما زالت متواصلة. وتعرف أوضاع حقوق الإنسان تراجعا مريعا في ليبيا في السنوات الأخيرة، عمقه عدم سيطرة الدولة على السجون الواقعة خارج نطاق سلطتها، واستمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تغذيها النزاعات الأخيرة التي شهدتها البلاد، والتي لم يُحاسب المسؤولون عنها. كما أن المحاكم العسكرية تستمر في محاكمة مدنيين والحكم عليهم بالإعدام في غياب المحامين وضمانات الدفاع. إضافة إلى أن إمكانية مراقبة حالة المحكومين بالإعدام بالبلاد جد محدودة خاصة بالنسبة لمكونات المجتمع المدني.
إن التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان، وانطلاقا من الحيثيات السابقة، تدعو الدول المغاربية إلى ضرورة القطع نهائيا مع هذه العقوبة المتوحشة وغير المجدية، كما تشدد على المطالب التالية
– المصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،
– إضفاء الطابع الرسمي على وقف تنفيذ عقوبة الاعدام والتصويت بإيجابية على قرار الأمم المتحدة الذي يدعو الدول إلى ذلك؛
– إعادة النظر في القوانين الجنائية بالدول المغاربية والإلغاء النهائي لعقوبة الإعدام بها؛
ــ تغيير أحكام الإعدام الجارية بأحكام بالسجن مع الزيادة في الميزانيات المخصصة للمحكومين بها وتحسين ظروف احتجازهم؛
وفي انتظار ذلك:
– وضع المحكوم عليهم بالإعدام المصابين بأمراض عقلية في مستشفيات الأمراض النفسية وتشكيل لجنة طبية لتقييم حالتهم النفسية؛
– تمتيع المدانين بالإعدام بالحق في الدراسة أو التدريب؛
– إدماج المحكوم عليهم بالإعدام مع باقي السجناء.
– تسهيل مأمورية منظمات المجتمع المدني لزيارة المحكومين عليهم بالإعدام وتقصي أوضاعهم ،
كما تثمن التنسيقية مجهودات الحركة الحقوقية العالمية المناضلة من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، وتجدد استعدادها للمساهمة ضمنها في هذا المجهود الإنساني المهم، وتدعوها إلى المزيد من تكثيف وتشبيك العمل بين الشبكات والائتلافات والمنظمات الإقليمية والدولية الحقوقية للقضاء على هذه العقوبة الماسة بالحق في الحياة.
التنسيقية المغاربية لمنظمات حقوق الإنسان
السكرتارية الرباط، 10 أكتوبر 2021











