الخياطــي هاشم
تشهد العلاقات بين المملكة المغربية وإيطاليا تطورا متواصلا على المستويات الاقتصادية والأمنية والثقافية، غير أن هذا التقارب لم ينعكس بشكل واضح على الموقف السياسي الإيطالي من قضية الصحراء المغربية، إذ ما تزال روما تتحرك داخل ما يصفه متابعون بـ”المنطقة الرمادية”، من خلال الاكتفاء بدعم الحل السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة دون إعلان صريح لتأييد مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل نهائي للنزاع.
ورغم أن إيطاليا تؤكد في مختلف مواقفها الرسمية دعمها للمسار الأممي وحرصها على الاستقرار الإقليمي، فإنها لم تنضم بعد إلى قائمة الدول الأوروبية التي أعلنت بشكل واضح دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، على غرار إسبانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى اختارت الانتقال من الحياد الدبلوماسي إلى الدعم السياسي المباشر للمقترح المغربي.
ويرى متابعون للشأن الدولي أن هذا التحفظ الإيطالي لا يرتبط فقط بالحسابات الدبلوماسية التقليدية، بل يتداخل بشكل كبير مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تربط روما بالجزائر، خاصة في مجال الطاقة. فإيطاليا تعد من أبرز الشركاء الأوروبيين للجزائر في قطاع الغاز الطبيعي، وقد تعزز هذا التعاون بشكل أكبر منذ اندلاع الأزمة الطاقية العالمية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، حيث سعت الحكومة الإيطالية إلى تنويع مصادر التزود بالطاقة وتقليص الاعتماد على الغاز الروسي.

وفي هذا السياق، يعتقد مراقبون أن إيطاليا تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين تعزيز علاقاتها المتنامية مع المغرب وعدم إغضاب الجزائر التي تمثل بالنسبة إليها شريكا اقتصاديا حيويا، خصوصا في ظرف اقتصادي داخلي صعب تعيشه البلاد الأوروبية.
وتواجه إيطاليا منذ سنوات تحديات اقتصادية متراكمة، تتمثل في تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع حجم الدين العام، الذي يعد من بين الأعلى داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي. كما سبق للبنك المركزي الإيطالي أن حذر من احتمالات دخول الاقتصاد الإيطالي مرحلة ركود خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار الضغوط المالية وارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الأزمات الدولية المتلاحقة.
ويعتبر محللون أن هذه الوضعية الاقتصادية تجعل صناع القرار في روما أكثر حذرا في التعاطي مع الملفات الجيوسياسية الحساسة، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، حيث تحاول الحكومة الإيطالية تجنب أي مواقف قد تؤثر على مصالحها الطاقية والتجارية مع الجزائر.
في المقابل، يواصل المغرب تعزيز حضوره كشريك استراتيجي موثوق بالنسبة لإيطاليا في منطقة البحر الأبيض المتوسط، سواء في مجالات مكافحة الهجرة غير النظامية أو التعاون الأمني والتجاري، فضلا عن دوره المتنامي كبوابة اقتصادية نحو إفريقيا. كما تراهن الرباط على تنامي الوعي الأوروبي بأهمية الاستقرار الإقليمي ودور مبادرة الحكم الذاتي في إنهاء هذا النزاع المفتعل.
ويرى مراقبون أن مستقبل الموقف الإيطالي سيظل مرتبطا بتحولات التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي، وبمدى قدرة المغرب على تعزيز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي داخل الساحة الإيطالية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اتساع دائرة الدعم الدولي لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الأكثر واقعية وواقعية سياسية لهذا الملف.
وأضاف متابعون أن “إيطاليا ستجد نفسها عاجلا أم آجلا أمام ضرورة مراجعة هذا التموضع الحذر، لأن الرهان الاستراتيجي المستقبلي في المنطقة لن يُبنى فقط على الغاز أو التوازنات الظرفية، بل على الشراكات القادرة على تأمين الاستقرار طويل المدى داخل الفضاء المتوسطي والأطلسي الإفريقي، وهي المعادلة التي بات المغرب يفرض نفسه فيها كفاعل محوري بفضل استقراره السياسي وموقعه الجيوستراتيجي وتنامي حضوره الاقتصادي والدبلوماسي”.
وأكد هؤلاء أن المغرب لم يعد مجرد شريك تقليدي للاتحاد الأوروبي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى منصة إقليمية تربط أوروبا بعمقها الإفريقي، وهو ما يمنحه وزنا متزايدا في حسابات الدول الأوروبية، بما فيها إيطاليا، التي قد تجد نفسها مستقبلا مضطرة إلى تبني موقف أكثر وضوحا تجاه مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، انسجاما مع التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة.










